الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

205

نفحات القرآن

وواضح أنّ نتيجة هذه التفاسير الثلاثة في بحثنا تكون واحدة وإن كانت تبحث الموضوع من طرق متباينة . والجدير ذكره هو أنّنا نقرأ في حديث أنّ رجلًا جاء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسأل : ما رأسُ العلمِ ؟ فأجابَ صلى الله عليه وآله : « معرفة اللَّهِ حقَّ معرفته وأضاف : أن تعرفه بلا مثال ولا شبه وتعرفه إلهاً واحداً خالقاً قادراً أوّلًا وآخِراً وظاهراً وباطناً ، لا كفو له ولا مثل له فذاك معرفة اللَّه حقّ معرفته » « 1 » ومن الواضح أنّ ( حقّ معرفته ) هذه نسبية وإلّا - كما قلنا - لا يعرفه على ما هو عليه أحد . في الآية الثانية يعتبر القرآن الكريم القائلين بأنّ اللَّه ثالث أقنوم من الأقانيم الثلاثة « 2 » كفّاراً : « لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا انَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ » . وينبغي الالتفات إلى أنّ الآية لم تقل : إنّ الذين يعتقدون بالآلهة الثلاثة كفّار ، بل قالت : ( إنّ الذين يعتبرون اللَّه أقنوماً ثالثاً أو ذاتاً ثالثة كفّار ) ، وقد سلك المفسّرون في فهم مضمون الآية مسالك مختلفة . فقال بعضهم : إنّ المراد هم الذين يعتقدون أنّ اللَّه جوهر واحد في الذوات الثلاثة ( الأب ) و ( الابن ) و ( روح القدس ) ، ويقولون : إنّه واحد في عين تعدّده ، كما أنّ لفظ الشمس يشمل قرص الشمس ونورها وحرارتها والثلاثة واحدة « 3 » . وبعبارة أخرى : المراد هو عقيدة ( التوحيد في التثليث ) القائلة بأنّ اللَّه في عين كونه ثلاثة يكون واحداً ( وهذا كلام غير معقول طبعاً لأنّ العدد « ثلاثة » لا يساوي « واحداً » أبداً ، إلّاأن يكون أحدهما مجازياً والآخر حقيقيّاً ) .

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 14 . ( 2 ) « الأقنوم » بمعنى الأصل والذات وجمعه أقانيم ، وهو تعبير يطلقه النصارى على الآلهة الثلاثة في مسألة التثليث . ( 3 ) تفسير الكبير ، ج 12 ، ص 60 .