الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

206

نفحات القرآن

وقد جاء في تفسير القرطبي : إن الآية تشير إلى فرق النصارى من الملكية ( أو الملكانية ) والنسطورية واليعقوبية لأنّهم يقولون : أب وابن وروح القدس إله واحد « 1 » . ولكن الظاهر أنّه خطأ لأنّهم نسبوا هذه العقيدة إلى جميع النصارى في القول بالتثليث والتوحيد معاً . والعلّامة الطباطبائي رحمه الله يقول : إنّ ثالث ثلاثة يعني أنّ كل واحد من هذه الثلاثة : ( الأب والابن وروح القدس ، هو إله ينطبق على كلّ واحد منها وهي ثلاث ذوات وفي الوقت نفسه ذات واحدة ) « 2 » . ولكن الآية تتحدّث في الظاهر عن غير هذا كلّه ، فالكلام يدور حول الاعتقاد بأنّ اللَّه ذات ثالثة كفر ، أي ليس الإعتقاد بالآلهة الثلاثة موجباً للكفر بل جعل اللَّه تعالى في عرض الموجودات الأخرى واعتباره الثالث من الذوات الثلاثة ، وبعبارة أخرى اعتبار ( الوحدة العددية ) له موجب للكفر ( فتأمّل جيّداً ) . وقد ورد بيان هذا المعنى بشكل لطيف في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث نقرأ بأنّ أعرابياً جاء إلى أمير المؤمنين في يوم حرب الجمل فقال : يا أمير المؤمنين أتقول : إنّ اللَّه واحد ؟ فحمل الناس عليه وقالوا : يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : دعوه فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم ؛ ثمّ قال : « يا أعرابي إنّ القول في أنّ اللَّه واحد على أربعة أقسام ، فوجهان منها لا يجوزان على اللَّه عزّوجلّ ، ووجهان يثبتان فيه ، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل : واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز ، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أما ترى أنّه كفر من قال إنّه ثالث ثلاثة ؛ وقول القائل : هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ، ج 44 ، ص 2246 ، وقد جاء هذا المعنى أيضاً في تفاسير أخرى مثل روح البيان والمنار في ذيل آية البحث . ( 2 ) تفسير الميزان ، ج 6 ، ص 73 .