الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

111

نفحات القرآن

قامت ببيان أخطار الشرك بهذه الدرجة من الحزم . واستناداً إلى هذه الآية فلو أفنى الإنسان حياته في العبادة وعبودية اللَّه ومارس الأعمال الصالحة ولكنّه أشرك في آخر عمره لحظةً واحدة ومات بتلك الحالة فإنّ أعماله سوف تُحبط ، فالشرك بمنزلة صاعقة محرقة تَلتَهم حصيلة عمره وتصيّره رماداً ، وكما أشار القرآن الكريم في الآية 18 من سورة إبراهيم إلى أنّه رماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف . « ليحبطن » : من ( حبط ) وأصله ( حَبَط ) ويطلق على الحيوان حينما يأكل الكلأ حتّى ينتفخ فيمرض ثمّ يموت ، ثمّ استعمل في الأعمال الكثيرة ذات المظهر الجميل ولكن باطنها فاسد وتؤول إلى الفناء « 1 » . وقد جاء نظير ذلك في ( لسان العرب ) و ( مصباح اللغة ) ، غير أنّ لسان العرب ذكر أنّ أحد معاني ( إحباط ) هو جفاف ماء البئر وعدم توقّفه . وفي ( مقاييس اللغة ) أنّ الأصل في معناه هو ( البطلان ) أو ( الألم ) كما أنّ ( حبط ) يطلق كذلك على الجرح بعد شفائه . على أيّة حال فإنّ هذه المفردة في آية البحث والكثير من الآيات والروايات تعني محق ثواب الأعمال الصالحة وزوال آثارها الإيجابية . وهناك أبحاث حول حقيقة حبط الأعمال وكيفيته ولكن لا مجال لبيانها . أعظم الظلم : نقرأ في الآية الرابعة تعبيراً مهولًا حول الشرك على لسان لقمان حينما كان يعِظ ابنه بقوله : « يَابُنىَّ لَاتُشرِكْ بِاللَّه انَّ الشِّرْكَ لَظلمٌ عَظِيمٌ » . ولقمان وإن لم يكن نبيّاً - كما هو المشهور - إلّاأنّه كان رجلًا حكيماً ومفكّراً للَّه‌وقد أيّد القرآن علمه وحكمته وجعل كلامه في عرض كلام اللَّه عزّوجلّ ، وبالتأكيد أنّ مثل هذا

--> ( 1 ) مفردات الراغب ، مادّة ( حبط ) .