الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

112

نفحات القرآن

الرجل بعلمه وحكمته وإحساسه بمنتهى المسؤولية تجاه ابنه فإنّه يقدّم له أخلص النصائح والمواعظ . النصيحة الأولى من النصائح العشر التي ينقلها القرآن الكريم عن هذا الرجل الحكيم لابنه هي النصيحة بالإحتراز المطلق من الشرك ، ممّا يدلّل على أنّ الأساس في بناء الفرد والإصلاحات الفردية والاجتماعية والأخلاقية كلّها ، هو مقارعة الشرك بكلّ أشكاله وصوره ، وسيكون لنا كلام - بإذن اللَّه - في بيان العلاقة بين الشرك وبين هذه القضايا . وقد احتمل البعض أنّ ابن لقمان كان مشركاً فنهاه أبوه ولكن - كما يقول بعض المفسّرين - : يمكن أن يكون الكلام على شكل تحذير وذلك لأهميّة القضيّة نظير ما ورد في الآية السابقة من تحذيرٍ إلهيٍّ للأنبياء . والتعبير ب ( ظلم عظيم ) ذو مضمون كبير ، فالظلم في الأصل يعني كلّ انحراف عن الحقّ ووضع الشيء في غير محلّه ، وأسوأ أنواع الظلم هو الظلم الذي يكون بحقّ اللَّه ، عباده ونفسه ، وهكذا الشرك . فأي ظلم وانحراف أشدّ من جعلهم موجودات لا قيمة لها بمستوى خالق السماوات والأرض وجميع الموجودات ؟ وأي ظلم أشدّ على عباد اللَّه من انحرافهم عن جادّة التوحيد النورانية إلى ظلمات الشرك ؟ وأي ظلم أشدّ على النفس من أن يؤجّج الإنسان ناراً ليحرق فيها حصيلة أعماله الصالحة ويُحوّلها إلى رماد ؟ ! السقوط الموحش : تصرّح الآية الخامسة بعد أنْ أمَرت المسلمين بأن يكونوا موحّدين مخلصين وأن يتركوا طريق الضلالة والشرك ومن خلال تشبيه ذي معنى كبير : « وَمَنْ يُشرِك بِاللَّه فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ أَوْ تَهوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكانٍ سَحِيقٍ » « 1 » .

--> ( 1 ) « تخطف » من « خطف » وهو الاستلاب بسرعة و ( سحيق ) من ( سحق ) وهو طحن الشيء وقد تعطي هذه المفردة معنى ( الملابس البالية ) أو ( المكان البعيد ) والأخير هو الأنسب في مورد الآية من غيره .