الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
28
نفحات القرآن
وبتعبير آخر : إنّهم لم يكونوا بصدد غرس « بذور عبادة اللَّه » في قلوب الناس ، بل كانوا في صدد سقاية الغرسة الجديدة الموجودة واستئصال الأشواك والأدغال الزائدة المضرة التي قد تقتل أو تُذبِل هذه النبتات بصورة تامة في بعض الأحيان . وردت جملة : « أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا اللَّهَ » أو « أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إيَاهُ » في كلام الكثير من الأنبياء في القرآن الكريم ، وهي عبارات تفيد نفي الأصنام وليس اثبات وجود اللَّه . كماجاء في دعوة رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم : « أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إَنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ » . ( هود / 2 ) ودعوة نوح عليه السلام : « أن لَاتَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ » . ( هود / 26 ) ودعوة يوسف عليه السلام : « . . . أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ » . ( يوسف / 40 ) ودعوة النبي هود عليه السلام : « . . أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » . ( الأحقاف / 21 ) وَفضلًا عن هذا فَإننا نمتلك في أعماق نفوسنا أحاسيس فطرية أصيلة أخرى ، منها ما نراه في نفوسنا في الرغبة الشديدة للعلم والمعرفة والاطلاع . فَهل من الممكن أن نشاهد هذا النظام العجيب في هذا العالم المترامي ، ولا تكون لنا رغبة في معرفة مصدر هذا النظام ؟ أليس من الغرابة أن يقضي أحد العلماء مدة عشرين سنة من أجل التعرف على حياة النمل ، ويثابر عالِم آخر عشرات السنين لمعرفة عادات أوضاع بعض الطيور أو الأشجار أو أسماك البحار بدون أن يكون لديه دافع لحب العلم ؟ هل يمكن أنّهم لا يريدون معرفة مصدر هذا البحر اللامتناهي الذي يشمل الأشياء من الأَزلِ إلى الأبد ؟ ! نعم ، هذه دوافع تدعونا إلى « معرفة اللَّه » ، العقل يدعونا إلى هذا الطريق ، العواطف تجذبنا نحو هذا الاتّجاه ، والفطرة تدفعنا إلى هذه الجهة . كانت هذه خلاصة للمحفزات والدوافع الواقعية والحقيقية لظهور الدين ومعرفة اللَّه .