الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

27

نفحات القرآن

3 - الدافع الفطري تمهيد : عندما نتحدث عن الفطرة فالمقصود هو نفس تلك الاحساسات الداخلية والإدراكية التي لا تحتاج إلى أي استدلال عقلي . عندما نشاهد منظراً طبيعياً جميلًا جدّاً أو زهرة ذات لون ورائحة طيبة نحسُّ بقوة جذب تدفعنا نحوها ، ويسمى هذا الاحساس بالميل نحو الجمال وحبه ولا نرى أي حاجة هنا للبرهنة على إثبات قولنا هذا . أجل ، إنّ الميل للجمال يعد من الرغبات المتعالية للروح الإنسانية . إنّ الاندفاع نحو الدين وخاصةً معرفة اللَّه هو أيضاً من هذه الاحساسات الفطرية والداخلية ، بل هو من أقوى الدوافع في أعماق طبيعة وروح جميع البشر . ولهذا السبب لا نشاهد قوماً أو أمة لا في الحاضر ولا في الماضي التاريخي لم تكن تمتلك نوعاً من العقائد الدينية تتحكم في فكرها وروحها ، وهذه علامة على أصالة هذا الاحساس العميق . وانطلاقاً من أن التوحيد الفطري يُطرح في مجال براهين معرفة اللَّه كبرهان مستقل مع كل آياته ، لا نرى داعياً للبحث المسهب حول هذا الموضوع ، فنكتفي بذكر نقطة واحدة ونؤجل المزيد من البحث حول هذا الموضوع في محلّه إن شاء اللَّه . عندما يذكر القرآن قصص نهضة الأنبياء العظام فانّه يؤكد في عدة مواضع على هذه النقطة وهي أنَّ الرسالة الأصلية للأنبياء تتمثل بإزالة آثار الشرك والوثنية ( وليس إثبات وجود اللَّه ، لأنّ هذا الموضوع مخبَّأٌ في أعماق فطرة كل إنسان ) .