الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

22

نفحات القرآن

ثانياً : ثم تشير الآية إلى المواد المستعملة للزينة المستخرجة من أعماق البحار والمستخدمة من قبل البشر وتقول : « وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا » . أي أنّ اللَّه وفر لكم أكثر المواد الغذائية ضرورةً بالإضافة إلى الحاجات ذات الطابع التجميلي الصرف . ثالثاً : وفي المرحلة الأخيرة تشير الآية إلى واحدة أخرى من بركات البحار التي كان لها دور مؤثر جدّاً في حياة البشر حتى في يومنا الحاضر ، وهي استخدام البحر كطريق كبير وواسع ومتصل لحمل ونقل أنواع الأمتعة التي يحتاجها الناس في السفر ، ومع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ حوالي 75 بالمائة من وجه الأرض مغطىً بالبحار التي تصل إلى كل نقاط العالم ، وأنّ قسماً كبيراً من البضائع والمواد الضرورية تنقل عن هذا الطريق ، وأنّ قسماً كبيراً من الأسفار يتمّ من خلال هذا الطريق ، ومن هنا تتضح أهميّة هذا الموضوع . يقول عز وجل : « وَتَرَى الفُلْكِ مَوَاخِرَ فِيهِ » . ثم يضيف في النهاية : « لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . وبهذا جعل الالتفات إلى هذه النعم أيضاً وسيلة لإحياء روح الشكر وبالتالي اكتساب المعرفة باللَّه ، وإلّا فما حاجة اللَّه إلى شكرنا ؟ كل هذه ذرائع إلى معرفة ذاته وصفاته والحركة نحو هذا الكمال المطلق . والجدير بالذكر أنّ « مواخر » هي جمع « ما خرة » من مادة « مخر » ( على وزن فخر ) ، وهذه المادة كما يستفاد من محصلة كلمات أرباب اللغة والمفسرين بمعنى الشق والخرق ، كشق « أمواج الماء » بصدر السفينة ، أوشق « أمواج الرياح » بواسطة الوجه والأنف والتقدم نحو الأمام ، أو شق الأرض لأجل الزراعة . ولأنّ هذه الأمور غالباً ما تكون مصحوبة بالصوت فقد أطلقت هذه المفردة على صوت هبوب الرياح الشديدة أيضاً « 1 » ، إنّ كل حياة الإنسان والعالم تعتريها موانع يجب على

--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 20 ، ص 7 وقد جاء نفس هذا المعنى في تفسير روح المعاني والقرطبي تذييلًا للآية المنظورةفي بحثنا .