الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

21

نفحات القرآن

الإنسان عندما يولد لا يمتلك القدرة على النظر والمشاهدة إلى فترة من الزمن بعد ولادته ، ولأنّه معتاد على الظلام فهو يخاف من النور ويغمض عينيه لمدّة من الزمن ، في حين أنّ الاذن تسمع الأصوات من أول لحظة ، ومن الواضح أنّ القدرة العقلية والتمييز والشعور تبدأ بالعمل والنشاط لدى الإنسان بعد السمع والبصر ، خاصةً وأنّ « الفؤاد » كما يصرح أرباب اللغة بمعنى « العقل الناضج العميق » ولا يمثل مرحلة عادية من العقل ، وطبعاً فإنّ مثل هذا الشيء يظهر بعد ذلك . فضلًا عن أنّ الآية المذكورة يمكن أن تكون إشارة إلى حقيقة أنّ الوصول إلى « الكليات العقلية » يأتي بعد العلم ب « الجزئيات » عن طريق الحس ، وعلى كل حال ، فالآية تصرح أنّ الهدف من إسداء هذه النعم هو تحريك روح الشكر لدى البشر ، والذي يدعوهم بالنتيجة إلى محبّة الخالق ومعرفة اللَّه وإطاعة أوامره . وبالطبع فإنّ هذا لا يتناقض مع كون بعض العلوم الإنسانية علوماً فطرية لأنّ المعلومات الفطرية عند الولادة موجودة في طبيعة الإنسان على شكل الاستعداد والقابلية ، وليس لها طابع الفعلية ، ثم تثمر بعد ذلك . الآية الثانية تشير إلى ثلاث نعم إلهيّة أخرى تتعلق جميعها بتسخير البحار وتعتبرها دافعاً نحو الاستفادة من فضل اللَّه وشكره ، ومن هذه النعم : أولًا : اللحوم التي تستخرج من البحر والمسماة ب « لَحْماً طَرِياً » ، وهو اللحم الذي لم يبذل الإنسان جهداً في تربيته أبداً ، وإنّما ربته يد القدرة الإلهيّة في أعماق البحار ووضعته في متناول أيدي الإنسان مجاناً ، فيعتبر نعمة كبيرة ، خاصة في عصر وزمان كانت تكثر فيه اللحوم الفاسدة وكان الناس يضطرون إلى الاحتفاظ باللحوم إلى فترة معينة عن طريق تمليحها أو شيها وتجفيفها تحت أشعة الشمس ، وكانت هذه اللحوم تسبب الكثير من الأمراض والتسمم للمسافرين ، في حين كانوا يستخدمون اللحوم الطازجه بكل سهولة في سفراتهم البحرية أو الساحلية .