الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

69

نفحات القرآن

يقتنعون بتقليدهم الأعمى ، ولهذا نعتهم إبراهيم عليه السلام بأنهم وآباءهم في ضلالٍ مبينٍ . إنّ إبراهيم عليه السلام في بقية محاكمته التاريخية لعبدة الأصنام في بابل يقول : « أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَايَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ » ؟ ! ثم يضيف « أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ » . ( الأنبياء / 66 - 67 ) يعني أنّ هذا التقليد الأعمى ناشيءٌ عن عدم التعقل والتأمل وهو نابع من الجهل ، ودليله واضح ، فإنّ ذوي العلم يتمتعون باستقلال فكري ، واستقلالهم الفكري هذا لا يسمحُ لهم بالتقليد الأعمى ، بينما الجاهلون تراهم مرتبطون بهذا وذاك وبشكل أعمى فيتبعون الآخرين على غير بصيرة . 36 - الجهل عامل الخلاف والفرقة « لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَميعاً الّا فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ اوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُم جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِانَّهُمْ قَوْمٌ لَّايَعْقِلُونَ » . ( الحشر / 14 ) إنَّ كلمة « قرى » تعني جمع « قرية » ومعناها الأماكن المعمورة أعم من الأرياف والمدن ، وقد تطلق على مجموعة يسكنون في مكانٍ ما ، و « قرىً محصَّنةٍ » تعني المناطق الآمنة من العدو بسورٍ أو أبراج أو خنادق أو غيرها . إنَّ هذه الآية تتحدث عن طائفة « بني النضير » ( إحدى ثلاث طوائف يهودية تقطنُ المدينة ) حيث تكشف عن فزعهم وخوفهم الباطني واختلافهم وفرقتهم ، فتصرح الآية للمسلمين : إنّكم تحسبونهم جميعاً ومتحدين لكنّ الواقع أنّ شملهم متفرق بسبب جهلهم وعدم معرفتهم . إنّ الاختلاف ينشأ عن الجهل ، والاتحاد ينشأ عن المعرفة دائماً ، فالجاهلون لا يجهلون الأخطار الجسيمة للفرقة ، ولا يجهلون فوائد الاتحاد وبركاتِهِ فحسب ، بل يجهلون أسس التعايش السلمي ، وأسلوب التعاون وشروط النشاطات المشتركة ، وهذه المسألة أدّت بهم إلى الاختلاف والفرقة .