الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
58
نفحات القرآن
23 - العلم والتزكية « رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . ( البقرة / 129 ) ما ورد في الآية الكريمة الذي يعد بمثابة دعاءٍ دَعا به « إبراهيم » و « إسماعيل » عليهما السلام في ضمن أدعية دعيا بها اللَّه ، يكشف بوضوح عن العلاقة الوثيقة بين « العلم والحكمة » من جهة ، و « التزكية والتربية » من جهة أخرى وقد تقدم العلم هنا على التزكية . لكن في الآيتين التاليتين واللتين تناولتا منهج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بعد البعثة ، تقدمت التزكية على العلم فيهما ، حيث يقول اللَّه تعالى هناك : « لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبينٍ » . ( آل عمران / 164 ) كما أنّ الآية الثانية من سورة الجمعة تشبه الآية المتقدّمة مضموناً . الظاهر أنّ الاختلاف في التعبير حين يقدم العلم على التزكية تارة والتزكية على العلم تارة أخرى ناشىءٌ من التأثير المتبادل بين هذين الاثنين ، فإنّ العلم مصدر التربية الأخلاقية ، والتربية الأخلاقية تصلح لأنّ تكون في - بعض مراحلها - مصدراً للعلم . وعلى هذا ، فكل منهما يهيىء الأرضية للآخر ، وهذا هو معنى التأثير المتبادل للعلم والتزكية ( وسيأتي شرح هذا الموضوع في بحث مؤهلات المعرفة إن شاء اللَّه ) « 1 » . 24 - علاقة العلم بالصبر « وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً » . ( الكهف / 68 ) هذا الحديث نطق به العالم الرباني ( الخضر ) مخاطباً به موسى بن عمران ، عندما سأله أن
--> ( 1 ) . يقول أمير المؤمنين في حديث له حول العلم : « ومن ثمراته التقوى ، واجتناب الهوى ومجانبة الذنوب » . ( بحار الأنوار ، ج 78 ، ص 6 ) .