الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
59
نفحات القرآن
يعلمه من علومه ، فاجابه الخضر : إنّك لم تَحُط بأسراري وألغاز أعمالي ، ولن تتحملها وذلك لقلّة احاطتك ومعرفتك . وهذا التعبير يبين بوضوح أنّ عدم العلم والمعرفة يؤدّي إلى نفاد صبر الإنسان . بالطبع أنّ الصبر قد يكون مصدراً لزيادة العلم والمعرفة ، وعليه فهذان الاثنان بينهما تأثير متبادل كما يصرح بذلك القرآن في عدد من الآيات : « إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ » . ( إبراهيم / 5 ) ، ( لقمان / 31 ) ، ( سبأ / 19 ) ، الشورى / 33 ) ومن الواضح أن طريق العلم والمعرفة طريق صعب مليءٌ بالمنغّصات ، ولا يمكن أن يدرك العلم إلّابالصبر والتحمل والصمود ، وأنّ العلماء والمخترعين والمكتشفين لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلّابالمثابرة والصبر . 25 - العلم والمعرفة خير كثير « يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْراً كَثيراً » . ( البقرة / 269 ) وكلمة « الحكمة » مشتّقة من مادة « حَكْم » على وزن ( خَتْم ) وتعني الصدّ والمنع بهدف الإصلاح ولهذا يقال لزمام الحيوان « حَكَمَة » على وزن ( شَجَرة ) ، وبما أنّ العلم والمعرفة يحول دون اتخاذ الإنسان سلوكاً مشيناً ، فلهذا سميت « حكمة » . كما أنّ « العقل » يعني الامساك والحفظ ، ولهذا قيل للحبل الذي تُربط به رِجلا الجمل « عقال » ، فالعقل قيل له عقلًا لأنّه يصون الإنسان من الانحراف عن جادة الصواب . وعلى أيّة حال ، فإنّ القرآن الكريم وصف العلم بأبلغ وأجمل توصيف حيث قال ( خيراً كثيراً ) ، وهذا التعبير يشمل جميع النِعَم والمواهب الإلهيّة المادية منها والمعنوية . إنَّ المستخلص من خمسة وعشرين عنواناً ذكر حتى الآن حقيقة بيّنه واضحة وهي : إنّ القرآن وبالاستعانة بعبارات شيقة ولطائف البيان يحثّ الإنسان على طلب العلم والمعرفة