الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

329

نفحات القرآن

هناك بحث بين المفسرين في المراد من « تزيين الشيطان » ، فيقول البعض : إنّه الوساوس الشيطانية التي تبدو المحاسن فيها قبائحاً والقبائح فيها محاسناً ، أو العوامل الخارجية التي تزين للإنسان سوءَ أعماله ، كما تُجعل المواد السامة في غلاف مُغرٍ وجميل ، وكما يُدعى للانحرافات الكبيرة تحت غطاء التمدن والأفكار النيرة والحرة . وتحدثت الآية الثانية عن هدهد سليمان عندما قدم من رحلته إلى بلاد الملكة سبأ ، فبعد حكايته لقصة سبأ وحضارة بلادها العظيمة قال : « وَجَدْتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ » . إنّ هذه الآية تكشف عن أنّ الهدهد بالرغم من محدودية عقله وذهنيته الخاصة به وبعالمه يدرك بالاجمال حجب المعرفة ، ويعرف أنّ الشيطان يجعل ستاراً على فكر الإنسان يحول دون تمكنه من إدراك الحقائق ويغلق أبواب المعرفة عنه ويحول دون وصول الإنسان إلى مراده المنشود . وقد بحثنا امكانية اطلاع الحيوانات على عالم الإنسان ، كما بحثنا مدى معرفتها لهذا العالم في تفسير الأمثل ذيل الآية 18 من سورة النمل ، وفي ذيل الآية 38 من سورة الأنعام . كما تحدثنا في ذيل الآية نفسها عن كيفية طي الهدهد المسافة الطويلة بين الشام واليمن ووصوله إلى بلاد سبأ . ج‌ج وقد تحدثت الآية الثالثة عن قوم عاد وثمود وطغيانهم وعصيانهم ثم هلاكهم ، كما عرضت على عرب الحجاز مدنهم الخربة التي يمرون بها عند رحلاتهم إلى الشام واليمن كعبرة لهم ، ثم أشارت إلى السبب الأساسي في إهلاكهم وهو تزيين الشيطان لأعمالهم بحيث ما كادوا يبصرون شيئاً ولا يعقلون رغم امتلاكهم للابصار والعقول ، وقد قالت الآية : « وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ اعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ » . إنّ عبارة « وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ » - كما يقول كثير من المفسرين - تعني غفلتهم وعدم