الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
330
نفحات القرآن
تدبرهم في الحقائق بالرغم من امتلاكهم للعقول والحواس واقتدارهم على الاستدلال والتمييز بين الحق والباطل « 1 » . وقد جاء في تفسير الميزان : « إنّهم كانوا يعرفون طريق الحق بفطرتهم إلّاأنّ الشيطان زيَّن لهم أعمالهم فمنعهم عنه » « 2 » . ويقول البعض : إنّ المراد من العبارة هو معرفتهم للحق بواسطة دعوة الأنبياء وتعاليمهم « 3 » . إنّ الآية بجميع تفاسيرها ( سواء قبلنا أحدها أو قبلنا الجميع لعدم المنافاة بينها ) شاهد على ما قلناه من أن تزيين الشيطان يجعل حجاباً على عقل الإنسان وفكره . جج وقد بينت الآية الرابعة بصورة عامة مصير الذي يعشو عن ذكر اللَّه ويغفل عنه وقالت : « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمانِ . . . وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ » . ذَكر المفسرون وأئمة اللغة معنيين لفعل « يَعْشُ » ، فقال بعض : إنّه ظلام خاص يحلُّ فيا لعين يفقد الإنسان من جرائه بصره ويكون أعمى أو أعشى ( أي لا يرى في الليل ) وهو من مادة « عَشَى » ، كما يقال « عشواء » للجمل الذي لا يرى أمامه ويخطأ عند المشي ، وعبارة « خبط عشواء » إشارة إلى هذا المعنى . وعلى هذا فيكون معنى الآية الشريفة هو : إنَّ الذي لا يرى آيات اللَّه في الكون بعينه ، ولا يسمع من أنبيائه ، فإنه سيقع في فخّ الشيطان وتسويلاته . وقال بعض آخر : إنّها من مادة « عَشْو » ، وعندما تستعمل مع « إلى » فتعني الهداية ببصر ضعيف ، وعندما تستعمل مع « عن » فتعني الإعراض « 4 » .
--> ( 1 ) . تفسير مجمع البيان ، ج 7 ، ص 283 ؛ تفسير روح البيان ، ج 6 ، ص 468 ، كما نقل هذا عن بعض المفسرين في تفسير القرطبي . ( 2 ) . تفسير الميزان ، ج 16 ، ص 131 . ( 3 ) . التفسير الكبير ، ج 25 ، ص 66 . ( 4 ) . يقول بعض المفسرين : إنّ هذه المفردة إن كانت من مادة ( عَشَا ، يَعْشو ) ، فتعني التعامي من دون أن تكون علة في بصره ، أمّا إذا كانت من مادة ( عَشَى : يَعْشا ) ، فتعني حصول علة في بصره ، تفسير روح البيان ، ج 8 ، ص 368 ، وينبغي الالتفات هنا إلى أنّها في الآية من باب ( عَشَا ، يَعْشو ) .