الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
328
نفحات القرآن
فيها ، والتسويل يعني تزيين الشيء بشكل حيث تشتاق إليه النفس ، كما جاء بمعنى تزيين الأشياء القبيحة . هذا التفسير ذكره الراغب في مفرداته ، إلَّاأنّه يستفاد من صِحاح اللغة وكتاب العين ، أن معناها في الأصل هو الاسترخاء المتزامن مع الغرور والغفلة ، ولهذا أطلقت هذه المفردة على تزيين الأمور غير السائغة واظهار عكس ما هي عليه وبشكل سائغ ، بحيث يُخدع الإنسان من جرائها ويسترخي . وعلى أيّة حال ، فإنّ المراد من تسويلات الشيطان في الآيات هو إظهار القبح حسناً بشكل يخدع الإنسان ويحرفه . جمع الآيات وتفسيرها كيف يُزيّن الباطل ؟ وكيف تُسحر العيون ؟ تحدثت الآية الأولى عن فريق من الأقوام السالفة الذين أُرسل إليهم رسلٌ ليؤمنوا ويسلموا أنفسهم للحق ، إلّاأنّهم اعرضوا عن ذلك ، فأنزل اللَّه عليهم بأسه ، فابتلاهم بمختلف المشاكل والمصائب والحوادث الصعبة ، والفقر والمرض والقحط وغير ذلك ، كي يوقظهم من غفلتهم ، ولكي يخضعوا للحق ، إلّاأنّهم اتخذوا السبيل المنحرف بدل سبيل الرشاد والرجوع إلى الحق والتوبة . يقول القرآن في هذا المجال : لماذا لم يتضرعوا بالرغم من مجيء بأسنا لهم ؟ ثم يعدُّ أسباب هذا الأمر ويقول : الأول هو « قَسَتْ قُلُوبُهُمْ » فما كادت تخضع للحق . والثاني هو : « وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » ، بحيث أصبحوا يرون المعاصي صواباً والقبح جمالًا ، وقد نفذ الشيطان هنا من طريق عبادة الهوى . وبتعبير آخر : لم تؤثر فيهم لا مواعظ الأنبياء اللفظية ، ولا مواعظ اللَّه العملية والتكوينية ، وعامل هذا الحجاب هو قسوة القلوب من جهة ، ومن جهة أخرى تزيين الشيطان لهم ، بحيث سلب منهم روح التضرع والخضوع .