الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

240

نفحات القرآن

عن الختم على القلوب ، وهذا تلميح منها إلى أن السمع والبصر قد يتعطلان ، أي قد يتعطل الإدراك الحسي كما يتعطل العقلي ، وكما تعلم أنّ أغلب العلوم البشرية تحصل بواسطة هذين الإدراكين ، وحتى حقانية الوحي ودعوة الأنبياء تكتشف بهما ، ومع تعطلهما فإنّ طرق الهداية والنجاة ستغلق أمامهم ، وهذا من سوء أعمالهم وهذا ما أرادوه لأنفسهم ، ولا يستلزم جبراً كما يدعيه بعض الظانين . وقد جاء هذا التعبير في مجال الطبع كذلك ، حيث يقول تعالى في الآية : « اولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ » . ( النحل / 108 ) والآية التي سبقت الأخيرة أشارت إلى أن هذا الأمر ليس عاماً وشاملًا لجميع الكفار ، بل يختص بمن شرِح صدره للكفر ، حيث يقول تعالى : « وَلَكِن مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً » . ( النحل / 106 ) ج‌ج وقد تحدثت الآية الثانية عشرة عن أقفال القلوب التي قد تكون أشد من الختم « 1 » ، حيث قالت : « أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا » أي أن آيات القرآن تنفذ في القلوب ولو من نوافذ صغيرة ، وذلك لأنّ منطق القرآن هو البيان البديع ، والبلاغة في التعبير ، والعمق والدقة في التحليل ، وهو نور وضياء خاص ينفذ في قلب كل مؤهل ولو بأقلٍّ تأهيل ، ويستحوذ على القلوب ويهز الضمائر ، رغم هذا فإنه لا ينفذ في قلوب هؤلاء ولا يهز ضمائرهم أبداً ، وذلك لانغلاق قلوبهم . إنّ « أقفال » جمع « قفل » ومن مادة « قُفول » ويعني الرجوع ، وبما أن كلَّ من أتى باباً مقفولة رجع ، استعملت هذه المفردة في هذا المجال . إنَّ التعبير ب « الأقفال » قد يكون إشارة إلى تعدد أقفال القلب بحيث إذا ما فتح قفل بقيت اقفال أخرى ، وهذه في الحقيقة أسوأ مرحلة وأشدها من مراحل حرمان إدراك الحقائق .

--> ( 1 ) . وقد أشار الفخر الرازي في تفسيره الكبير إلى هذا الأمر .