الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

138

نفحات القرآن

ولا يمكن انكار ما تواتر في التاريخ عن جُند المغول وجيش هتلر والحوادث المفجعة في « الأندلس » ، والمئات من هذه الحوادث ، والذي يصلح للنفي والإثبات والإشكال هو جزئيات التاريخ ، وهي بدورها إذا ثبتت باخبار الثقات أصبحت صالحة للاعتماد عليها . بالطبع فإنّ الأخبار الضعيفة في هذا المجال ليست قليلة . وهذا حكم عادل بحق التاريخ ، فينبغي عدم الأخذ بكل ما جاء في التاريخ ، كما لا ينبغي نبذ كل ما ورد فيه . وقد سَلِمَ قسمان من التواريخ من أي تحريف وتلويث وهما : التواريخ التي ظلّت في صورة آثار تكوينية في الخارج ، فلا يمكن تحريفها ببساطة ، وقد أكد القرآن المجيد على هذا القسم كثيراً ، وآيات « السير في الأرض » بهدف التعرف على تاريخ الأمم السالفة ناظرة إلى هذا القسم منه . والأكثر من ذلك التواريخ التي وصلتنا عن طريق « الوحي » مثل تواريخ القرآن التي تعتبر أصيلة وخالصة من جميع الرغبات والنزعات ، فكما أن اللَّه عزّ وجلّ أفضل مقنّن فهو أفضل مؤرخ كذلك ، لأنّه خبير بجميع الجزئيات ومنزه عن الإتّجاهات الفردية والجماعية ، ومع توفر هذين الشرطين فهو أفضل مؤرخ روى لنا التاريخ . وقد يتعجب البعض ويسأل : لماذا يعيد اللَّه تعالى قصة نوح أو موسى أو فرعون أو مواجهة الأنبياء للمستكبرين والجبابرة عدّة مرّات ؟ لقد غفلوا عن أن كل حكاية ناظرة إلى الحادث من زاوية واحدة فقد يكون لكل حدث تاريخي زوايا وجوانب متعددة ، فقد ينظر - مثلًا - إلى تاريخ بني إسرائيل من حيث مواجهتهم لطاغوت زمانهم ، وقد ينظر لتاريخهم من حيث عنادهم لأنبيائهم ، وقد ينظر لتاريخهم من حيث عواقب الاختلاف والتشتت وعدم الاتحاد ، أو من حيث آثار ونتائج نكران النِعَم ، والخلاصة : إنّ كثيراً من الحوادث التاريخية كالمرآة ذات الأبعاد المختلفة ، يسلط كلُّ بعد من ابعادها الأضواء على جانب من الجوانب ( وسيأتي شرح هذا بالتفصيل في بحث تواريخ القرآن ) . ج‌ج