الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
139
نفحات القرآن
4 - فلسفة التاريخ إنّ المهم في التاريخ هو العثور على « جذور » و « نتائج » الحوادث التاريخية . فإذا حصلت ثورة في بقعة ما من العالم - مثلًا - ينبغي أولًا دراسة العوامل التي أدتهذه الثورة والتحقق منها بدقة . ثانياً النظر في نتائج هذه الثورة ، وهذان الأمران هما اللذان يخرجان التاريخ عن كونه مجرد حكايات مسلّية ، ويبدلانه إلى مصدرٍ مهم للمعرفة . لكن يؤسفنا أن يكتفي المؤرخون بذكر الحوادث التاريخية ، في مرحلة تبلورها فقط ، وقلّما يتجهون نحو جذور وعلل الحوادث ونتائجها ، ولم يتركوا في مجال تحليل القضايا التاريخية آثاراً تُذكر . إلّا أنّ القرآن قرن تدوين الحوادث مع البحث عن أُصولها ونتائجها فتارة بعد ذكره لمقطعٍ تاريخي يقول : « فَانْظُرُوا كَيفَ كانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ » . ( آل عمران / 137 ) وتارة يقول : « وَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ » . ( الأعراف / 86 ) وتارة يقول : « فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبةُ الْمُجْرِمِينَ » . ( النمل / 69 ) وتارة يقول : « انَّ اللَّهَ لَايُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتّى يُغيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ » . ( الرعد / 11 ) والجدير بالذكر أن للتاريخ فروعاً عديدة أهمّها تاريخ الإنسان والمجتمعات البشرية ، وتاريخ الحضارات ، وتاريخ العلوم والفنون البشرية ، وهي تواريخ محورها الأساس ومحرك عجلتها هو الإنسان . يالهم من بسطاء أولئك الذين يظنون أن التاريخ - بالرغم من كل فروعه وتشعباته - نتاج قسري للقضايا الاقتصادية وخاصةً وسائل الانتاج ، أي أنّ التاريخ خلقته وسائل الانتاج واجهزته التي صنعها الإنسان بنفسه ! وعلى هذا الأساس يمكننا القول : إنّ هؤلاء بتصورهم الخاطىء وتفكيرهم الشاذ لم يعرفوا الإنسان ولا التاريخ أبداً .