الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

101

نفحات القرآن

والآية الحادية عشرة لفتت الأنظار إلى مسألة خلق الأرض ومن ثم خلق الإنسان الذي يعتبر خلقة عالَماً عظيماً مليئاً بالضجيج رغم صغر حجمه ، وأنبّت الذين لا يبصرون رغم أنّهم قادرون على الإبصار بخطاب « أفلا يبصرون » . ( ينبغي الالتفات إلى أنّ « البصيرة » جاءت من مادة « بصر » الذي يعني « العين » إنّ « بصر العين » ، ورغم استعمالها بمعنى « النظر » و « الرؤية » إلّاأنّها تختلف عنهما بالتأكيد على عضو البصر وقوته ، لكنها كالمفردتين السابقتين قد تستعمل بمعنى المشاهدة الباطنية والفكر ) . وأخيراً ، فإنّ الآية الثانية عشرة تؤكد على الأعضاء الثلاثة أي الأذن والعين والقلب والتي تعتبر ثلاثة أعضاء أساسية للمعرفة وهذا دليل واضح على اعتبار المشاهدة والحس من المصادر الأساسية للمعرفة . النتيجة : إنّ الآيات السابقة والتي غالباً ما تحدثت عن قضية التوحيد ومعرفة اللَّه ، أمرت الناس بأن يفتحوا أعينهم أثناء سلوك طريق المعرفة والتوحيد من أجل الوصول إلى الهدف ، عندها سيرون اسم « اللَّه » على جبين كل موجود في هذا العالم ، ويشاهدون الأنظمة الدقيقة والغريبة التي تتحكم بالعالم ، ومن ثم يصلون - بواسطة برهان النظم - لا إلى معرفة ذات اللَّه فحسب ، بل صفاته وتوحيده وتدبيره وقدرته وعلمه اللامتناهي . وبالنظر إلى أنّ أهم مسألة في الإسلام هي مسألة التوحيد ومعرفة اللَّه ، وأنّ أهم دليل في القرآن على المعرفة هو برهان النظم ، وأهم منبع لبرهان النظم هو الطبيعة والمخلوقات فمن هنا تتضح أهميّة الحس والمشاهدة والتجربة من وجهة نظر القرآن الكريم . وقد استعان القرآن كثيراً ب « المشاهدة الحسية » ليس في مسألة التوحيد فحسب بل في مسألة المعاد أي ثاني أهم مسألة في الإسلام أيضاً ، وقد صوّر لنا لقطات من المعاد بالاستعانة بنفس الطبيعة المشهودة لنا ، كما جاء ذلك في سورة ( ق ) حيث يقول تعالى :