الشيخ محمد اليزدي

47

فقه القرآن

واما قوله تعالى : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ بعد قوله : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ( التوبة [ 9 ] الآية 108 ) . فهي - لا سيما مع ملاحظة السياق - تنهى عن القيام في مسجد ضرار المبني من قبل الذين اتخذوه إرصادا لمن حارب الله ورسوله وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ويحلفون أنهم محسنون والله يشهد أنهم لكاذبون . ومركز ثقل الكلام تقدّم مسجد النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) الذي أسس على التقوى وانه الأحق أن يقوم فيه رسول الله ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وهو الذي قد هداهم إلى الحق والايمان وأنقذهم من الكفر والضلال والعصيان . ثم تذكر الآية تأييدا لأحقية ذلك المسجد غير الذي بناه الكفار ضرارا ، حيث إنه قد أسس على التقوى وان في مسجدك - يا رسول اللّه - رجالا مسلمين واقعا يحبّون أن يتطهّروا ويريدون أن يهتدوا ، في حين ان رجال مسجد ضرار مبيّتون للكفر وهدفهم التفريق وهدم الاسلام ، والله يحب المطهّرين . فلا يرتبط ذلك بالطهارة عن الأخباث والأرجاس الظاهرية ، فان الآية تريد التقوى التي بني عليها ذلك المسجد وهي الطهارة التي هي غاية البناء وانها لله تعالى وانها طهارة من كل شرك وظلمة وخبث وشيطنة وان كانت الطهارة الظاهرية في طريقتها الثابتة بأدلتها العقلائية أو الشرعية كما لا يخفى ، وان كان قد يحتمل شمولها لها بالإطلاق والسياق فإنه يوجب الانصراف فراجع السنّة . وكيف كان فإنه يستفاد من المقام لزوم اجتناب زعماء الدين والعلماء العاملين المؤسسات والمنظمات التي تدعو بظاهرها إلى الاسلام ونشره ، وباطنها وساوس ودسائس شيطانية يراد بها هدم الاسلام ومحوه . فعليهم اذن الاجتناب والتحرز من هذه المؤسسات والمنظمات على وجه يوجب ضعفها حتى الانحلال والانعدام لا على وجه ينتهى إلى التفرّق والتشعّب بأن يتصدى كلّ جمع لآخر حول مسائل جزئية ، عند ذلك تنهدم كرامتهم وتذهب