السيد عبد الأعلى السبزواري

28

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

شأنه في الآيات الكريمة التالية ، ومن سرد تلك الحكم في المقام يستفاد أهميّة تلك الأحكام وعظيم أثرها في تهذيب النفس وتزكيتها . وأسلوب الآية الشريفة يدلّ على نفي جعل وتشريع كل الأحكام الإلهيّة التي يراد بها الحرج على المؤمنين ، فإنّ نفي الإرادة أبلغ من نفي الفعل وأشدّ في تأكيده ، كما عرفت في نظائر هذا الأسلوب في الآيات المباركة السابقة ، وتؤكّد ذلك أيضا دخول « من » الجارّة على مفعول « ما يريد » ، فتكون بيانيّة لا زائدة ، كما زعمه بعضهم . ويدلّ على ما ذكرناه أيضا قوله تعالى : وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ الدالّ على نفي الحرج في ملاكات الأحكام مطلقا ، فإنّها شرّعت لأجل مصالح وحكم واقعيّة ، لا لغرض الحرج والمشقّة . وإطلاق الآية الشريفة يشمل نفي كلّ حرج ، سواء كان في التكاليف الأوليّة ، أو التكاليف الثانويّة ، فإنّه إذا عرض ما يوجب الحرج والمشقّة اتفاقا في حكم ، فإنّه ينتقل إلى البدل فيه إن كان ممّا له بدل - كما في الصوم وغيره من التكاليف غالبا - وإلّا فيسقط الحكم رأسا في تلك الأفراد الحرجيّة ، ولا يسقط غيرها . والحرج : هو الضيق والمشقّة ، قال تعالى : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً [ سورة النساء ، الآية : 65 ] ، وقال سبحانه وتعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ سورة الحج ، الآية : 78 ] . والمعنى : لم يكلّف اللّه تبارك وتعالى المؤمنين بتحصيل الطهارة المائيّة على وجه يستلزم الحرج والمشقّة عليهم ، إما بإتلاف مال أو بالتغرير بالنفس أو الضرر عليها ونحو ذلك ممّا فيه كلفة عليهم ، فإنّه ينتقل إلى البدل وهو الطهارة الترابيّة ، فقد كلّفهم بها بما لم يستلزم المشقّة والحرج أيضا ، وإلّا فيسقط الحكم رأسا ، كما هو مذكور الفقه ، فإنّ اللّه تعالى ما يريد من الأمر بالطهارة المائيّة ثمّ الترابيّة إلّا التوسعة على المؤمنين ، لا الحرج والمشقّة ، وسيأتي في البحث الروائي نقل بعض الروايات .