السيد عبد الأعلى السبزواري

39

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

مجالستهم هو أوّل خطوات النهي عن المنكر الّذي يجب على المؤمنين ، فإن لم يفعله رهبة أو مجاملة فقد خالف أمر اللّه تعالى ووضع قدمه على المنزلق الّذي يؤدّي به إلى الكفر ثمّ الهلاك وسوء العاقبة . قوله تعالى : إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ . تعليل للمنهي عنه وفيه تقريع شديد وتحذير كبير ينزعج منه الحسّ ، وبيان لعاقبة أمرهم إن لم ينتهوا عن مجالسة أعداء اللّه تعالى ، فإنّ المؤمن لو لم يحسم أمره معهم منذ الخطوة الأولى لانزلق معهم ووقع في الهاوية ، وقد حذّر اللّه تعالى المؤمنين من الاستهانة بأحكام اللّه تعالى . وقد سجّل عزّ وجلّ على الأمم السابقة - لا سيما اليهود - هذا الأمر ووبّخهم أشدّ توبيخ ولعنهم ، فإنّ قبح الاستهانة بالمولى - لا سيما اللّه تعالى وأحكامه - ضروري عقلي ، فيعمّ جميع الأمم ، قال تعالى : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ * كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [ سورة المائدة ، الآية : 78 - 79 ] . والمثليّة تارة : تتحقّق في الكفر إن كان القعود مع الكافرين ويستلزم الموالاة والرضا بمعتقداتهم وأعمالهم . وأخرى : تتحقّق في الإثم إن لم يكن القعود كذلك . هذا إن لم تكن ضرورة في الاجتماع ، وإلّا فالضرورات تبيح المحظورات . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً . وعيد للفريقين المنافقين الموالين للكافرين المستهزئين بآيات اللّه تعالى ، وتعليل لكونهم مثلهم ؛ لأنّ ذلك يستلزم اشتراكهم في العذاب . وأقيم المظهر مقام المضمر تسجيلا لنفاقهم ، وبيانا لعلّة استحقاقهم للعذاب ، وبيانا لصفة من صفات المنافقين وهي مراقبة إخوان المؤمنين لينتفعوا بها على حسابهم ، كما هو شأن كلّ مخادع لم تكن مصاحبته عن صدق وإخلاص ، وهذه من أظهر صفات المنافقين وأجلاها .