السيد عبد الأعلى السبزواري
40
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ . التربّص : الانتظار ، وعدم ذكر متعلّق التربّص ليشمل كلّ أمر مكروها كان أو محمودا ومحبوبا . أي : ينتظرون وقوع أمر بالمؤمنين . قوله تعالى : فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ . تفصيل لما أجمله آنفا . والمعنى : وإن كان للمؤمنين فتح من اللّه تعالى برعايته لكم وإفاضته عليكم ما أوجب الظفر على أعدائكم قال المنافقون : ألم نكن معكم نظاهركم ونجاهد عدوكم فاسهموا لنا فيما غنمتم . وتقييد الفتح بكونه من اللّه لبيان أنّه وعد منه عزّ وجلّ ، كما قال تعالى : وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [ سورة الروم ، الآية : 47 ] . قوله تعالى : وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . مادة [ حوذ ] تدلّ على الحوط ، يقال : حاذه حوذا إذا حاطه ، ومنه الحاذيان وهما جانبا الفخذين من الوراء ، وسمّي السائق للبعير وغيره من الدواب حوذيا ؛ لأنّه يضرب حاذين البعير ، ومنه استحوذ على الشيء ، أي : غلب عليه وتمكّن من تسخيره والتصرّف فيه ، ومنه المحاذي للشيء ، فإنّ معنى الإحاطة مأخوذ في جميعها ، وفي الحديث : « ليأتين على الناس زمان يغبط فيه الرجل بخفّة الحاذ كما يغبط اليوم أبو العشرة » ، أي الاستيلاء على المال أو العيال ، وذلك كناية عن القلّة والخفّة فيهما . والفعل استحوذ ونستحوذ جاء على الأصل من غير إعلال - كما جاء استروح واستصوب - خارجة عن أخواتها نحو : استقال واستقام وأشباههما ، فلو أعلّ لكان : ألم نستحذ ، والفعل على الإعلال استحاذ فيستحيذ . وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في موضعين ، أحدهما المقام ، والثاني في قوله تعالى : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [ سورة المجادلة ، الآية : 19 ] . والمعنى : أنّهم يقولون للكافرين إذا أصابهم حظّ من الحرب والظفر منّا عليهم : ألم نستول عليكم ونتمكّن من قتلكم فلم نفعل بكم ونمنعكم من وصول