السيد عبد الأعلى السبزواري

38

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وتحذير للمؤمنين أن لا يقعدوا مع الكافرين والمنافقين وهم يكفرون بآيات اللّه ويستهزئون بها ، وفي هذا التحذير من الحكمة ما لا يخفى ، فإنّه إذا لم ينته في أوّل الطريق فإنّ آخر مطافه الكفر الّذي لا ريب فيه . والآية المباركة تشير إلى ما ورد في قوله تعالى الّذي نزل بمكّة : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ سورة الأنعام ، الآية : 68 ] ، والخطاب فيه وإن كان متوجّها إلى الرسول الكريم صلى اللّه عليه وآله إلّا أنّه يراد منه العموم . كما أنّ الآية الشريفة الأخيرة لم تكن متضمّنة من التوبيخ الشديد ما تضمّنته الآية الكريمة الّتي في هذه السورة ؛ لعظم قبح أفعال المنافقين من موالاة أعداء اللّه تعالى مع تحقّق ما يمنعهم عن ذلك ، فكأنّ الآية المباركة تقرع أسماعهم بقبح أفعالهم وتقول : « أتتّخذونهم أولياء » والحال أنّه تعالى نزّل عليكم من قبل في هذا الكتاب العظيم أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ ، وهذا كاف في الانزجار عن مجالستهم فضلا عن تحقّق الموالاة والاعتزاز بالكافرين . وإضافة الآيات إلى اسم الجلالة لبيان خطرها وعظيم شأنها وتهويل أمر الكفر بها . وهي تشمل الأحكام المقدّسة والمعارف الربوبيّة ومظاهر تجلّياته عزّ وجلّ ، كالرسول صلى اللّه عليه وآله والأئمة الهداة عليهم السّلام ، كما ورد في الحديث . بل تشمل كلّ حقّ ، وفي الحديث عن الصادق والرضا عليهما السّلام : « إذا سمعت الرجل يجحد الحقّ ويكذب به ويقع في أهله ، فقم من عنده ولا تقاعده » ، وسيأتي في البحث الروائي نقل بعض الروايات إن شاء اللّه تعالى . وعموم الآية المباركة لا بدّ وأن يقيد بما إذا لم يمكن ردّهم والإنكار عليهم وبيان الواقع لهم ، وإلّا فهو جائز بل واجب إذا احتمل التأثير ، فإنّ الامتناع عن