السيد عبد الأعلى السبزواري
33
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
التفسير قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً . بيان للآية السابقة ، وشرح لحال من ضلّ ضلالا بعيدا ، ويبيّن تعالى حقيقة الردّة وأحوال أهلها ، فإنّ الردّة هي الذبذبة في الإيمان وعدم الاستقرار فيه ، والمرتد من يدعي الإيمان ثم يكفر ثم يؤمن ثم يكفر ثم يزداد في الكفر والطغيان ، فلم يستقر الإيمان في قلوب أهل الردّة ، ولم يصدر منهم صدورا جديّا ، بل يتلاعبون به ويستهزئون أمر اللّه تعالى فيه ، ولأجل تكرار الردّة منهم وذبذبتهم في الأمر كان الجزاء عليهم عظيما موافقا لطبيعة عملهم ونفسيتهم المتردّدة وتماديهم في الكفر ، وهو حرمانهم من رحمة اللّه تعالى وعدم مغفرته لهم وعدم اهتدائهم سبيلا لاستكمال أنفسهم . هذا إذا لم يصدر منهم التوبة فيؤمنوا إيمانا جدّيا وإلّا فتشملهم المغفرة والرحمة ويقبل اللّه تعالى توبتهم ؛ لأنّ التوبة تشمل جميع الذنوب كما عرفت ذلك في بحث التوبة ، وإن كان مثل هؤلاء المتمادين في الكفر لم يوفقوا إلى الإيمان والتوبة ولانقطاع سبل الهداية عنهم ، كما أخبر عزّ وجلّ في قوله تعالى : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ [ سورة آل عمران ، الآية : 86 - 90 ] . وظاهر الآية الشريفة قبول توبتهم إذا كانت عن صدق ، وأصلح ما أفسده بالكفر والردّة ، ولكنّها تدلّ على عدم قبول التوبة ممّن ازداد كفرا بعد الإيمان . والسبب في ذلك أنّ الردّة إن كان عن جحود وعناد وازدياد في الكفر ، لا يكون إلّا عتوا واستكبارا عن قبول الحقّ ، فلا يتحقّق فيه الرجوع إليه تعالى ، فمن كان هذا