السيد عبد الأعلى السبزواري
34
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
حاله كيف تقبل توبته ؟ ! بل لا يوفّق إلى التوبة أصلا . وقد ذكر المفسّرون في بيان معنى الآية المباركة وجوها لا تخلو بعضها عن المناقشة ، ولكن يمكن إرجاع جميعها إلى شيء واحد ، وهو ما ذكرناه من عدم استقرار أهل الردّة على الإيمان وعدم الثبات فيه والتذبذب في الاعتقاد ، ويتّبعون الأهواء الباطلة ويطلبون المنافع والمصالح ، فطبع الغي والطغيان على قلوبهم ، واستقرّ الاستكبار واللجاج في نفوسهم ، فلم يهتدوا سبيلا ؛ لأنّ بصائرهم عميت عن الحقّ ، وانقطع المدد الربوبي عنهم ، وانطفأ نور الفطرة فيهم ، فلا يرجى لهم الاهتداء وقد خسروا خسرانا مبينا . وممّا ذكرنا ظهر وجه النقاش في ما ذكره بعضهم من أنّ المراد من الآية الكريمة هو أنّ الّذين آمنوا بموسى عليه السّلام ثمّ كفروا به ، ثم آمنوا بعيسى عليه السّلام ثمّ كفروا به ثمّ ازدادوا كفرا لعدم إيمانهم بمحمّد صلى اللّه عليه وآله ، فإنّه يرجع إلى ما ذكرناه ، إلّا أنّه ذكر مصداقا لما قلناه . وفي قوله تعالى : ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً كمال البعد عن الحقّ وتماديهم في الغي ، وإصرارهم على الطغيان ، وانسهم بالكفر وانهماكهم فيه ، ومن آثاره كفرهم بمحمّد صلى اللّه عليه وآله مع وضوح الحقّ فيه . قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا . لأنّ ذلك من الأثر الوضعي لما ازدادوا في غيهم وكفرهم ، ومن باب ترتّب المسبّب على السبب ، نتيجة لأعمالهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة ، فإنّ انهماكهم في الكفر وانسهم به واستقرار العناد والعتو في قلوبهم ، كلّ ذلك يستدعي حرمانهم عن الرحمة الإلهيّة ، فلم يكن اللّه ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا يفضي إلى التقرّب إليه عزّ وجلّ والدخول في رحمته تعالى ، ونفي المفغرة والهداية إنّما ثبت لعدم وجود المقتضي لهما ، وهو الإيمان الخالص المستقرّ في القلوب ، وهذا وإن كان مطلقا إلّا أنّه لا يأبى الاستثناء لو تحقّقت الاستتابة واتّفق الإيمان الواقعي والاستقامة عليه ، كما عرفت آنفا .