السيد عبد الأعلى السبزواري

29

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

أيضا ، والّذين هم يحتاجون إلى الرعاية والترحّم والانعطاف أكثر من غيرهم ، ولعلّ في ذلك ارغام لآبائهم وأمهاتهم وبغضا لمكانتهم . قوله تعالى : الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها . استنهاض آخر لهم في تقديم المعونة للذين تربطهم معهم رابطة الإيمان مضافا إلى أنّهم منهم ، وهم أبعاضهم وأفلاذهم ، ومؤمنون باللّه العظيم يدعونه خوفا وطمعا بعد ما انقطعت بهم الأسباب ؛ لأنّهم فقدوا من قومهم كلّ عون وحرموا كلّ مغيث ، فكانوا مذللين معذبين لأجل دينهم ، يستغيثون اللّه تعالى بقولهم : ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها . والآية المباركة بأسلوبها الرفيع وفصيح عبارتها ، بيّنت كمال انقطاعهم إلى ربّهم وقوّة إيمانهم ، حيث لم يستغيثوا إلّا بمولاهم الحقّ ليفرّج عنهم كربهم ويخرجهم من تلك القرية الّتي هي وطنهم الظالم أهلها لهم ، ولم يذكروا شيئا آخر ممّا كان دائرا في العصر الجاهلي من العصبيّة ونحوها ، فلم يقولوا : يا قوماه ، أو يا للرجال ونحو ذلك . والمراد من القرية مكّة المكرّمة الّتي ظلم أهلها المشركون المؤمنين أشدّ أذية ليردّوهم عن دينهم . وإنّما وصف أهلها بالظلم دون القرية ، كما في غير هذا الموضع قال تعالى : فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ [ سورة الحج ، الآية : 45 ] ، وقال تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ [ سورة الحج ، الآية : 48 ] ، لأنّ مكّة مكرّمة فلا يقال لها قرية ظالمة ، وإنّما اختصّ أهلها بالظلم . قوله تعالى : وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . دعاء آخر منهم يطلبون منه جلّت عظمته أن يجعل منهم وليا يلي أمرهم ليرشدهم إلى أمور دينهم ودنياهم ، فإنّه أعلم بمصالحهم من غيره .