السيد عبد الأعلى السبزواري

40

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

تعالى ، في مقابل من كان في قلبه زيغ فيتّبع ما تشابه منها . ويرد عليه : أن قول : كلّ من عند ربنا ، قول عامّة المسلمين ، فإنهم يعتقدون بأن القرآن كلّه من عند اللّه تعالى ، بلا فرق بين عالمهم وجاهلهم وأهل البادية والسوق منهم ، وسياق الآية الشريفة سياق المدح والثناء ، فيختصّ بقوم خاص ، ولا يعمّ كلّ من قرأ القرآن ولا يلتفت إلى مداليل الآيات المباركة ومعانيها ، فهذا الوجه مخدوش . إلا أن يراد من الراسخين في العلم المعنى السلبي ، أي : من ليس في قلبه زيغ ولم يمل من الحقّ إلى الباطل ، فيشمل عامّة المسلمين أيضا ، ولا يختصّ بصنف خاص . فيصير معنى الآية المباركة : من كان بصدد الإضلال والإلحاد يتبع المتشابه ، ومن لا يكون كذلك يقول : كلّ من عند اللّه . وهو بعيد عن سياق الآية الشريفة أيضا . والمنساق من الآية الشريفة أن الجملة معطوفة على اللّه ، أي : لا يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم . والراسخ في العلم منحصر بسيد الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله ومن استفاد منه هذا العلم ، حيث قال فيه : « اللهم علّمه التأويل » ، وعن علي عليه السّلام : « علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم يفتح من كلّ باب ألف باب » ، فالجملة ليست مستأنفة بل معطوفة على المستثنى ، ويكون من قبيل عطف البعض على الكلّ مثلا ، لأن هذا العلم بالنسبة إلى اللّه تعالى أولا وبالذات ، وبالنسبة إلى سيد الأنبياء ثانيا وبالعرض ، فيكون كنسبة علم المتعلّم إلى المعلم ، وهذا الوجه هو الظاهر من الآية المباركة ، وتدلّ عليه روايات كثيرة ، كما يأتي . وإنما أتى بلفظ الجمع تعظيما وإجلالا ، وليشمل المصطفى سيد المرسلين والمتّقين ، الذي هو في قمة مقام اليقين بالنسبة إلى المعارف الربوبية ، ولا فرق بين علمه صلّى اللّه عليه وآله بالتأويل وعلمه تعالى به إلا بالاعتبار ، لفرض أن علمه بالتأويل من علم اللّه تعالى ، فالفرق بينهما بالمظهر ( بالضم ) والمظهرية ( بالفتح ) في مقام التنزيل والتأويل ، ولذا صار صلّى اللّه عليه وآله خاتما لمن سبق وفاتحا للعلوم والمعارف لمن لحق ، وهذا في الممكنات يختصّ به ، فهو الراسخ