السيد عبد الأعلى السبزواري

39

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [ سورة الذاريات ، الآية : 14 ] ، أي عذابكم ، وقوله تعالى : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [ سورة التوبة ، الآية : 49 ] ، والتأويل من الأول ، أي : الرجوع إلى الأصل ، أو البيان ، وله مراتب كثيرة ، قال تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [ سورة الأعراف ، الآية : 53 ] ، ولكن البيان . . تارة : يكون واقعيا وعن حجّة معتبرة ، وهو ممدوح . وأخرى : يكون اعتقاديا وبلا حجّة معتبرة ، وهو مذموم . والمعنى : أن الذين في قلوبهم زيغ يميلون عن المحكمات إلى المتشابهات ، لأجل ابتغاء الفتنة ، أو ابتغاء تفسير الآية وبيانها حسب آرائهم ومعتقداتهم . وسياق الآية الشريفة أنها في مقام ذمّ الصنفين ، فلا بد وأن يكون ابتغاء الأمرين بالاختيار والتعمّد حتّى يتعلّق به الذم ، وكذا إذا كانا منتسبين إلى قصور الإدراك وترتّب على ذلك الفتنة والتأويل بلا اختيار وعمد لهما ، كبعض من فسّر الآيات المتشابهة من القرآن وبيّنها برأيه الخاص ، مغرورا بنفسه ، فيصحّ توجيه الذم إليه لتقصيره في السبب . قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . الرسوخ : الثبوت والاستقرار والتحقّق ، وله مراتب كثيرة كمراتب أصل الإيمان به جلّت عظمته ، ولم يستعمل هذا اللفظ في القرآن الكريم إلا في موردين ، أحدهما المقام ، والثاني قوله تعالى : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً [ سورة النساء ، الآية : 162 ] . والمعروف بين المفسّرين وجمع من الأدباء أن جملة : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ مستأنفة ، وأن الجملة الأولى مبتدأ والثانية خبر ، فيكون المعنى : أن الراسخين في العلم يقولون : آمنا باللّه عزّ وجلّ وأن الآيات كلّها من عند اللّه