السيد عبد الأعلى السبزواري

38

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ . مادة ( ز ي غ ) تأتي بمعنى الميل عن الاستقامة إلى خلافها ، وهي مستعملة بهيئات كثيرة في القرآن ، لعلّ أشدّها على النفس قوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ سورة الصف ، الآية : 5 ] . وزيغ القلوب ميلها عن الحقّ ، وله مراتب كثيرة فعلا وقولا واعتقادا ، بل وخطرة في القلب ، والكلّ مضبوط لدى العليم الخبير بالدقائق والشاهد للحقائق . والآية الشريفة تعبّر عن أحوال الناس في تلقيهم الآيات الشريفة بمحكماتها ومتشابهاتها ، فإن منهم مائلا عن الحقّ ، يتبع المتشابه ابتغاء للفتنة والضلال ، كما عبّر جل شأنه ب : ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ . قوله تعالى : ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ . مادة ( ب غ ي ) وردت بمعنى طلب تجاوز الاقتصاد كما أو كيفا ، تجاوزه أو لم يتجاوزه . والبغي على قسمين : محمود ومذموم ، والأوّل مثل قوله تعالى : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً [ سورة الإسراء ، الآية : 28 ] ، وفي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « ان اللّه يحبّ بغاة العلم » ، وكذا تجاوز العدل إلى الإحسان . والثاني كتجاوز الحقّ إلى الباطل أو الشبه ، والتمييز بينهما بالقرائن ، فإن كان الطلب لشيء محمود ، فالابتغاء فيه يكون كذلك ، وإذا كان الطلب مذموما ، فالابتغاء مذموما أيضا ، ولكن أكثر موارد استعماله يكون في الذم . وهيئة الافتعال تدلّ على كثرة الاهتمام بذلك ، قال تعالى : وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [ سورة الرعد ، الآية : 22 ] . والفتنة : الاختبار ، من قولهم فتنت الذهب بالنار ، أي : اختبرته للتمييز بين جيده ورديئه ، ولها مراتب كثيرة ، قال تعالى : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [ سورة طه ، الآية : 40 ] ، وتستعمل في النار وفي العذاب أيضا من باب استعمال اللفظ في بعض لوازم المعنى ، وليس ذلك من المشترك اللفظي في شيء ، قال تعالى : ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ