السيد عبد الأعلى السبزواري
342
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وصلبوه وما كان اللّه ليجعل لهم سلطانا عليه ، وإنما شبّه لهم ، وما قدروا على عذابه وقتله ولا على قتله وصلبه ، لأنهم لو قدروا على ذلك لكان تكذيبا لقوله تعالى : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ بعد أن توفاه . أقول : هذه الرواية تدلّ على أن مدّة الدعوة كانت ثلاثا وثلاثين سنة ، لا أصل عمره الشريف ، ويمكن حمل بقية الروايات عليه أيضا ، فقد ورد أن عمره كان أربعا وستين سنة وقالت النصارى غير ذلك . والمراد من مسخهم شياطين مسخ قلوبهم ، فإن من أدمن على إنكار الحقّ يتغيّر قلبه لا محالة إلى حقيقة كفرهم ، قال تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ سورة المطففين ، الآية : 14 ] . ويمكن الحمل على مسخهم بجهاتهم الجسمانيّة كما وردت روايات كثيرة في مسخ جملة من العصاة إلى بعض الحيوانات ، وقد حكى اللّه تبارك وتعالى في القرآن الكريم عن مسخ اليهود إلى بعض الحيوانات ، قال جلّ شأنه : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [ سورة المائدة ، الآية : 60 ] ، وعبدة الطاغوت ليس إلا من الشياطين . وفي العيون : عن الرضا عليه السّلام : « أنه ما شبّه أمر أحد من أنبياء اللّه وحججه على الناس إلا أمر عيسى وحده ، لأنه رفع من الأرض حيّا وقبض روحه بين السماء والأرض ، ثم رفع إلى السماء ، وردّ عليه روحه ، وذلك في قوله تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ ، وقال اللّه حكاية عن عيسى يوم القيامة : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . أقول : الحديث يدلّ على توفّي عيسى عليه السّلام وموته قبل رفعه إلى السماء ، وبهذا يمكن أن يجمع بين جميع الأقوال لفرض صراحة الحديث بأنه مات ما بين السماء والأرض ثم أرجع اللّه روحه إليه ورفعه . وفي تفسير العياشي : عن الصادق عليه السّلام : « رفع عيسى بن مريم بمدرعة صوف