السيد عبد الأعلى السبزواري
326
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
عيسى ككلّ البشر يولد ويموت ويبعث . وفيه : أن أصل الكبرى مسلّمة ، فإنه عليه السّلام كسائر الأنبياء له موت بلا إشكال ، وأما أن المراد بالتوفّي في المقام هو الموت الشائع ، فهو أوّل الدعوى يحتاج إلى دليل ، والآية المباركة لا تدلّ على ذلك ، بل هي ناظرة إلى أصل الكبرى ، ويدلّ عليه أيضا ما يأتي من : قوله تعالى : وَرافِعُكَ إِلَيَّ . عطف على خبر إن ، والرفع : ضد الوضع ، وهو يستعمل في ما يشتمل على العلو ، سواء كان علوا معنويّا ، كشرف المنزلة والفضيلة وغيرهما مثل قوله تعالى : وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ سورة الزخرف ، الآية : 32 ] ، وقوله تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ سورة المجادلة ، الآية : 11 ] ، قال الشاعر : تلك الأماني يتركن الفتى ملكا * على الأنام ولم ترفع له رأسا يعني : أن الآمال توهم الفتى أنه قد صار ملكا ، ولكن لا تعطيه كرامة وشرفا في الواقع . أو محسوسا ظاهريا كما في الأجسام الخارجيّة ، إذ أعليت عن مقرّها ، مثل قوله تعالى : وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [ سورة البقرة ، الآية : 63 ] ، وقوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ [ سورة البقرة ، الآية : 127 ] ، وفي حديث الاعتكاف : « كان إذا دخل العشر الآخر أيقظ أهله ورفع المئزر » ، ولعلّه كناية عن الاجتهاد والجد في العبادة بارتقاء النفس . وهو من الأمور النسبيّة تختلف باختلاف المتعلّق ، قال تعالى حكاية عن يوسف : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ [ سورة يوسف ، الآية : 100 ] ، وقال تعالى : وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ [ سورة الرحمن ، الآية : 7 ] . ومن أسمائه تعالى : « الرافع » ، وهو الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد وأولياءه بالتقرّب إليه . وتقدّم في قوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ بعض الكلام .