السيد عبد الأعلى السبزواري

327

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

والجملة قرينة أخرى لبيان معنى التوفّي في الجملة السابقة . أي : أخذك من بين اليهود وأحفظك من مكرهم بالرفع إليّ . وإنما قيد الرفع بقوله : ( إلي ) مع أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يخلو عنه مكان ، تفخيما لغاية الرفع من الأرض التي طالما أفسدها الكافرون والفساق ، فرفعه تعالى إلى موضع خاص محض لتسبيح اللّه تعالى وتقديسه ، ولا توجب هذه الكلمة ( إليّ ) صرف الرفع إلى الرفع المعنوي ، باعتبار أنه لا يتصوّر القرب والبعد المكاني إليه عزّ وجلّ ، فيكون نظير قوله تعالى : في شأن إدريس : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 57 ] ، لأن ظاهر الخطاب وتكريم الرفع إلى عيسى عليه السّلام بكاف الخطاب ظاهر في رفع الموجود في الخارج وهو الجسم مع الروح ، لا أحدهما فقط . إن قلت : إنّ الشأن في الإنسان هو الروح فقط والجسم تابع لها ، فيصحّ توجيه الخطاب إلى الروح فقط . قلت : نعم هو صحيح في الجملة ، ولكن سياق الكلام يأبى عن ذلك ، لأن رفع الروح إلى السماء إنما هو شأن كلّ نبي ، بل ولي وأهل التقوى ، فلا تبقى خصوصية في تخصيص عيسى بذلك ، ولا بد أن يكون في البين جهة معينة ، وهي رفع روحه مع جسمانيّته الظاهرة ، وبذلك امتاز عيسى عليه السّلام عن إدريس الذي كان الرفع فيه معنويّا روحانيّا ، بقرينة قوله تعالى : مَكاناً عَلِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 57 ] ، أي مكانة ومنزلة ممتازة عن غيره ، فيكون الخطاب في المقام بالنسبة إلى عيسى كقوله تعالى بالنسبة إلى موسى عليه السّلام : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [ سورة طه ، الآية : 41 ] ، حيث إنّ ظاهر حرف الخطاب إنما يكون مع الإنسان الخارجي روحا وجسما ، مع أنه لو جعلنا الإنسان البرزخي كالإنسان في الدنيا مركبا من الجسم والروح كما أثبتناه في محلّه من أن الموجودات البرزخيّة والاخرويّة عين ما في العالم ، فالأمر أوضح . إن قلت : بناء على ذلك فلا فرق بين عيسى عليه السّلام وغيره في أن للجميع وجودا برزخيّا أيضا .