السيد عبد الأعلى السبزواري
323
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
مواضعه وإيذاء الأنبياء وقتلهم وتشريدهم . كما أن المراد بمكر اللّه تعالى جزاؤهم بما خفي عن ادراكهم ولم تصل إليه عقولهم ، بأن شبه المسيح عليهم وردّ كيدهم على أنفسهم مع اعتقادهم بأنهم قتلوه ، فإنه لو رفعه اللّه تعالى علنا وبمرأى منهم لاستحكمت شبهة الغلو والألوهية فيه ، ولو رفعه خفية لطال التشاجر والنزاع والمحنة على المؤمنين وكثر فيهم القتل وهتك الإعراض ، طلبا منهم لإظهاره وتسليمه ، فكان ذلك التشبيه لطفا خفيّا ومكرا منه عزّ وجلّ وفق الحكمة . قوله تعالى : وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ . أي : واللّه يفعل أفعالا خفيّة بما تقتضيه الحكمة المتعالية مع غفلة أهل المكر عن ذلك ، وكون مكره تبارك وتعالى خيرا محضا ، إذ لوحظ بالنسبة إلى النظام الكلّي ، ويكون المكر بعباده في نصرة الحقّ وأهله وإبطال الباطل وإزهاقه . قوله تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ . بيان لمكره عزّ وجلّ وإعمال سرّه الخفي على الناس ، والعامل في ( إذ ) قوله ( ومكر اللّه ) . ومادة ( وف ي ) تدلّ على أخذ الشيء وافيا تماما في الجملة ، وهذا المعنى هو الشائع في جميع استعمالاتها العرفيّة والقرآنيّة ، وفي حديث المعراج : « فمررت بقوم تقرض شفاههم كلّما قرضت وفت » ، أي نمت وطالت أو كملت كالأوّل ، وعنه صلّى اللّه عليه وآله أيضا : « انكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها » ، أي تمت العدّة بكم سبعين . وأما الوفاة بمعنى الموت ، فهو أحد موارد استعمالات هذه المادة ، وليس من المعنى الحقيقي لها . نعم ، شاع استعمالها في الموت ، ولعلّه لأجل أن الإنسان يأخذ من الحياة نصيبه التام بحسب استعداده ، فاللّه يميته بعد ذلك وينقله إلى عالم آخر . ويدلّ على ما ذكرنا جملة من الآيات الشريفة ، منها قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ سورة الأنعام ، الآية : 60 ] ، والمراد