السيد عبد الأعلى السبزواري

324

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

به التوفّي بأخذهم النوم وغلبته عليهم ، وقوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى [ سورة الزمر ، الآية : 42 ] ، ولا يستقيم معنى الآية الشريفة لو كان معنى التوفّي هو الموت ، أي اللّه يميت الأنفس حين موتها والتي لم تمت يميتها في منامها . ومن هذه الآيات وما تقدّم من نظائرها يستفاد أن التوفّي أعمّ من الموت ، بل لم يستعمل التوفّي في الموت إلا بعناية خاصة ، ولذا لو لم تكن هذه العناية استعمل الموت بدله ، وهي أن الوفاة إنما تستعمل في مورد يكون فيه أخذ الشيء محفوظا من دون نقص ، كما في وفاء الدين ونحوه ، فيقال : « وافيته في الميعاد » ، وبهذه العناية تستعمل في الموت والنوم ، حيث تحفظ فيهما نفس الإنسان ولا تنعدم فيهما ولا يبطل شأنهما ، فاللّه تعالى يأخذ الأنفس ويحفظها حتى زمان عودها إلى الأجساد ، لكن يختلف عالم النوم وعالم الموت . وقد عبّر سبحانه وتعالى بالموت في عيسى في مورد آخر ، حيث لم تكن هذه العناية ، قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [ سورة النساء ، الآية : 159 ] . وبالجملة : التعمّق في موارد استعمال هذه المادة في الألسنة واعتبارها مرادفة له ، بحيث يتبادر منه هذا المعنى كلّ ما اطلق ، ولكنه مع ذلك لا يوجب صرف اللفظ عن المعنى الموضوع له ، ويقتضى أن الجامع القريب هو ما ذكرناه . فيكون معنى الآية الشريفة هو أخذ عيسى عليه السّلام من عالم الأرض ومن بين الناس وحفظه عن مكر اليهود من دون أن ينالوا منه شيئا ، حتى زمان عوده إلى الأرض ، ويدلّ على ذلك قوله تعالى في موضع آخر ردّا على اليهود : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [ سورة النساء ، الآية : 157 - 156 ] . وهذه الآية الشريفة صريحة في ردّ مزاعم اليهود في قتله وابطال دعوى النصارى