السيد عبد الأعلى السبزواري
322
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
نسبته إليه عزّ وجلّ لأنه منزّه عن المكر والخديعة ، فلا يطلق عليه تعالى إلا عن طريق المشاكلة ، وقالوا إنّ كلّ مورد ورد فيه المكر منسوبا إليه عزّ وجلّ يحمل على الاستعارة ، وهي تسمية جزاء المكر مكرا مقابلة كما هو المعروف عند العرب ، مثل قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [ سورة البقرة ، الآية : 194 ] ، وقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ سورة الشورى ، الآية : 40 ] ، وغيرهما من الآيات الشريفة ، وهذا القول منهم مبني على استعمال المكر في المعنى السيء فقط ، وهو المساوق للخديعة والشرّ ، فيكون قبيحا واللّه تعالى منزّه عنه ، ولكن استعمال القرآن الكريم يأبى ذلك كما عرفت ، مضافا إلى أنه استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي معا ، وهو غير صحيح . وقيل : إنه يجوز إطلاق المكر عليه تعالى كما اطلق على غيره من أفراد الإنسان من دون مشاكلة أو الخروج عن المعنى الحقيقي ، وأصحاب هذا القول اختلفوا في توجيه المكر بالنسبة إليه عزّ وجلّ ، وجميع ما قيل في ذلك لم يقم عليه دليل يصحّ الاعتماد عليه . والصحيح أن يقال : إنّ المكر في الأصل يطلق على كلّ ما يصرف الإنسان عن مقصوده خفية وسرّا ، وبهذا المعنى يصحّ إطلاقه عليه عزّ وجلّ بلا محذور فيه من عقل أو نقل ، لفرض أن جميع أسرار إرادته المقدّسة مخفيّة عن من سواه ، وهو عبارة أخرى عن التدبير الأتم بما تقتضيه الحكمة المتعالية بأعمال خفية لا يعلمها الإنسان ، فيجازي الظالمين على ظلمهم والماكرين بمكرهم ، ويحسن إلى المحسنين بما يوافق اللطف ، ويؤيّد هذا المعنى ما ورد في بعض الدعوات المأثورة : « إلهي لا تؤدبني بعقوبتك ولا تمكر بي في حيلتك » ، وفي الحديث : « اللهم امكر لي ولا تمكر بي » ، ومعنى الحديث : ألحق مكرك بأعدائي لا بي ، فإن مكره جلّ شأنه إيقاع بلائه بأعدائه دون أحبّائه وأوليائه . والمراد بمكر بني إسرائيل في المقام اعمالهم جهات النفاق مع عيسى عليه السّلام ، كما حكى اللّه تعالى عنهم مع أنبياء اللّه تعالى في آيات أخرى ، مثل تحريف الكلم عن