السيد عبد الأعلى السبزواري

319

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ . أي : استجابوا إلى دعوة المسيح ، وهم الّذين اختارهم عيسى وجعلهم من حواريه ، وقالوا : نحن متبعوك وناصروك في الدعوة إلى دين اللّه والجهاد في سبيله ، ويفسّر معنى النصرة في اللّه ما بعد هذه الآية . وفي قوله تعالى : قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ، الطباق الشديد ، أي : نحن ناصروك لأنه نصرة اللّه تعالى . قوله تعالى : آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . تبيّن هذه الجملة معنى نصرة اللّه ، إذ الإيمان الحقيقي نصرة اللّه تعالى ، ونصرته جلّ جلاله ترجع إلى كمال النفس الإنسانيّة ، وتهذيبها بالأخلاق الفاضلة والجهاد مع أعداء اللّه تعالى . وقوله جلّ شأنه : وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ، تسليم لهم لنبيّهم تسليما حقيقيّا . وهيئة التسليم تدلّ على الخضوع للّه تعالى وإطاعته في جميع تشريعاته ، والإيمان من إحدى طرق التسليم ، ولها مراتب متفاوتة . وسياق الآية الشريفة يدلّ على كمال إيمانهم ، وتمكّنه في قلوبهم ، حتى ظهر التسليم والخضوع على جوارحهم عن جوانحهم وطلبوا من عيسى الشهادة بذلك . وفي الآية المباركة الدلالة على أن الإيمان باللّه تعالى لو لم يكن مقرونا بشهادة المتبوع لا أثر له أبدا . وتقدّم الكلام في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ سورة البقرة ، الآية : 143 ] . ويستفاد من الآية الشريفة أن إيمان الحواريين كان راسخا في قلوبهم ، وإنما طلب عيسى عليه السّلام منهم النصرة للّه تعالى إتماما للحجّة على غيرهم ممّن أحسّ منهم الكفر ، وإعلانا لشأنهم وإظهارا لدرجاتهم الكاملة في الإيمان ، فيكون قولهم ( آمنا باللّه ) تأكيدا لما آمنوا به أولا ، وتثبيتا لشهادة عيسى على ذلك ، ويدلّ على ما ذكرنا قوله تعالى في موضع آخر : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي