السيد عبد الأعلى السبزواري
320
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ [ سورة المائدة ، الآية : 111 ] ، والوحي - بأي معنى أخذ - كاشف عن كمال إيمانهم وجلالة قدرهم ، ولكن استفادة كونهم أنبياء اللّه من الوحي إليهم مشكل ، لأنه أعمّ من ذلك ، إذ قد يستعمل الوحي في مجرّد الإلقاء في القلب من اللّه تعالى ، كما في قوله عزّ وجلّ : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ سورة القصص ، الآية : 7 ] . قوله تعالى : رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ . تضرّع منهم إلى اللّه تعالى والدعاء على الإيمان ، فيكون مثل قوله تعالى : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [ سورة آل عمران ، الآية : 8 ] . والجملة مقول قول الحواريين ، وإنما حذف القول مبالغة في التضرّع ، وللدلالة على التشرّف بالدعاء ، ولبيان نفس الحكاية ، وهو من أحسن الأساليب البلاغيّة وهو في القرآن الكريم كثير جدا ، ويستفاد أن الداعي قد أهمل نفسه أمام المدعو ولا يرى لها شأنا ، وإنما همّه التضرّع وعرض الحال . وإنما ذكر المتابعة للرسول بعد الإيمان باللّه تعالى ، لبيان أن الإيمان به جلّت عظمته يستلزم العمل بما جاء به الرسول ، وأن أحدهما بدون الآخر لا أثر له . قوله تعالى : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ . أي : وثبّتنا مع الشاهدين ، والمراد منه المعنى العام للشهود في كلّ عالم من العوالم ، ففي عالم الدنيا شهود الواقع والحقّ على ما هو عليه ، المشتمل على تبليغ الحقّ أيضا ، الذي هو من أعلى درجات الإيمان ، بل لا درجة فوقه ، كما في قوله تعالى : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [ سورة المائدة ، الآية : 83 ] . وبالنسبة إلى أعمال الجوارح شهود مطابقتها مع الواقع ، وبالنسبة إلى عالم البرزخ والآخرة شهود عين تلك الحقائق بصور مناسبة لتلك العوالم ، وقد تقدّم في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ سورة البقرة ، الآية : 143 ] ، بعض الكلام فراجع .