السيد عبد الأعلى السبزواري
306
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي [ سورة المائدة ، الآية : 110 ] ، والطير صالح للواحد والجمع . وقوله تعالى : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ ، عطف على قوله بِآيَةٍ ، والجملة حالية ، أي : وجئتكم حال كوني مصدقا . ويمكن أن يكون عطفا على قوله : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ، واختلاف الجملتين في الغيبة والتكلّم غير ضائر بالعطف ، لا سيما بعد تفسير قوله : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ بقوله : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ، فإنه مخرج للكلام من الغيبة إلى الحضور . بحث دلالي : تدلّ الآيات الشريفة على أمور : الأوّل : يدلّ قوله تعالى : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ على أن مريم عليها السّلام كانت محدّثة ، تتكلّم مع الملائكة وتكلّمها وتسمع كلامها وقد تعاين شخصها ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 17 ] ، وقد وردت روايات كثيرة على أن المحدّث هو الذي يسمع الصوت ولا يعاين الملك ، ففي الحديث عن محمد بن مسلم قال : « ذكرت المحدّث عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال عليه السّلام : إنه يسمع الصوت ولا يرى الصورة ، فقلت : أصلحك اللّه ، كيف يعلم أنه كلام الملك ؟ قال عليه السّلام : إنه يعطي السكينة والوقار حتّى يعلم أنه ملك » ، والأخبار بهذا المضمون كثيرة . واختلاف الروايات في رؤية المحدّث للملك أو عدم رؤيته وسماع صوته فقط ، محمول على مراتب كمال النفس ، وسيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام في الرسول والنبيّ والمحدّث . الثاني : يدلّ قوله تعالى : وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ، على تقدّم مريم على نساء العالمين من جهات عديدة قد ذكرها سبحانه في ما تقدّم من الآيات ، كالإنبات الحسن ، وكفالة زكريا لها ، وتحريرها للعبادة ، والرزق من اللّه ، وما يأتي في الآيات اللاحقة ، كلزوم الطاعة والقنوت والخشوع للّه عزّ وجلّ وبشارتها بكلمة