السيد عبد الأعلى السبزواري
300
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وفي صدور هذه الآية من عيسى عليه السّلام مناسبة لأصل خلقه عليه السّلام ، فإنه خلق من نفخ جبرائيل ، والطير خلق من نفخه ، وهو بمنزلة الروح ، وكلّ منهما كان بإذن اللّه تعالى . قوله تعالى : وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ . الأكمه من الكمه وهو العمى مطلقا ، سواء ولد كذلك أم عرض عليه بعد ذلك ، وقيل : إن الأكمه هو الذي يولد مطموس العين . والأبرص هو الذي به داء البرص ، وهو مرض جلدي معروف تظهر فيه لمع بياض ، ولذا يقال للقمر أبرص لبياضه ، ومنه : « بت لا يؤنسني إلا الأبرص » ، أي القمر . وإنما خصّهما تعالى بالذكر لأنهما داءان معضلان ، أعيى الأطباء علاجهما ولم يتوصّلوا لحدّ الآن في إبرائهما وزوالهما مع تقدّم الطب وحذاقة الأطباء وكثرة جهودهم الكبيرة المتواصلة على علاجهما ، أو لأن هذين المرضين معروفان يشاهدهما كلّ أحد ، فإذا برئ المريض بدعاء المسيح وبركته ، لا يسع لأحد إنكاره ، فيكون أتمّ في الاحتجاج . وقد نسب الإبراء إلى عيسى عليه السّلام ، لأنه المباشر في ذلك بدعائه وبركته . والسبب في ظهور المعجزة على يديه ، وإن كان الجميع يستند إلى اللّه تعالى ، كما يدلّ قوله جلّ شأنه بِإِذْنِ اللَّهِ ، المذكور في الآية الشريفة ، وإنما لم يذكره سبحانه بعد هذه المعجزة لأن الاعتقاد بهما سهل المؤنة يحصل بمجرّد إخباره بأنه معجزة وأنه آية من اللّه تعالى ، لا سيما إذا كان الخطاب مع قوم يدّعون الإيمان باللّه تعالى ، مع أن ما ذكره في ما بعد : وَأُحْيِ الْمَوْتى ، صالح لأن يرجع إلى الثلاثة كلّها . قوله تعالى : وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ . إحياء الموتى من المعجزات الباهرات وخارق عظيم ، وقد أكّد سبحانه في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم أن اللّه تعالى هو الذي يقدر على إحياء الموتى ، وأن غيره عاجز عنه ، قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى [ سورة يس ، الآية : 12 ] ،