السيد عبد الأعلى السبزواري

249

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . جملة مستأنفة كالسابقة ، أي : أن الرزق الذي أوجب دهشة هذا النبيّ الكريم هو نازل من عند اللّه تعالى . والإطلاق يشمل جمع الأنواع والأصناف ، فكان هذا الرزق خارقا للعادة من حيث الكم والكيف وسائر الجهات ، فسيطر ما عند اللّه على الطبع والطبيعة والمادة ، فكان ذلك كرامة لها . وقد قنع زكريا بهذا الجواب ولم يسألها عن شيء آخر . ومن ذلك يعرف الخدشة في ما ذكره بعض المفسّرين في المقام من أن الإضافة إلى اللّه تعالى إنما هي عادة جرت من العرف بإضافة الرزق إليه تعالى ، وليس في هذه دلالة على أنه من خوارق العادات ، وبالآخرة فليس ذلك كرامة لها . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ . تتمّة مقالة مريم ، أي : أن اللّه تعالى يقدر على رزق من يشاء من عباده بغير تقدير بحدّ . ومن هذه الكلمة يستفاد أمران : الأول : عظمة هذا الرزق ، حيث عبّر عنه بغير حساب . الثاني : عظمة انقطاع القائل إلى اللّه تعالى ، حيث ظهر لها هذا التجلّي العظيم الإلهي . قوله تعالى : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ . جملة مستأنفة ترتبط بما قبلها لتثبيت ما ذكر فيها ، وتقرير ما سيقت لأجله . و ( هنا لك ) نظير هناك من أسماء الإشارة ، إلا أن اللام في الأوّل للبعد والكاف للخطاب ، أي في ذلك المكان ، والمعروف بين الأدباء أن الموضوع له في أسماء الإشارة خاص ، وأنها من المبنيّات لتقوّمها بالغير ، فأشبهت الحروف من هذه الجهة وانسلخت عن الإعراب فصارت مبنيّة . ولكن الدعوى الأولى باطلة لما أثبتناه في علم الأصول - من أن الوضع منحصر في قسمين ، الوضع الخاص والموضوع له الخاص ، كما في الأعلام . والوضع