السيد عبد الأعلى السبزواري

234

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

شأن إبراهيم عليه السّلام : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ سورة البقرة ، الآية : 130 ] ، فإن اختياره كان بسبب النبوّة والملك والتقدّم في الإيمان والدعوة إليه والإخلاص للّه تعالى . وفي المقام الأنسب هو الاصطفاء للرسالة والولاية والعبوديّة المحضة ، التي هي أساس الكمالات الإنسانيّة ، ويدلّ على ذلك قوله تعالى : عَلَى الْعالَمِينَ ، فلو كان الاصطفاء بمعنى الانتخاب منهم ، لكان الأنسب أن يقول : ( من العالمين ) ، فهو نوع اختيار لهم وتقديم على العالمين باعتبار أمر خاص فوق مقام النبوة والصلاح لا يشاركهم غيرهم فيه ، وهو العبوديّة والزعامة والإمامة على الناس . وقد ذكر سبحانه وتعالى أربعة ممّن اصطفاهم على العالمين ، وهم آدم ، ونوح ، وآل إبراهيم ، وآل عمران ، ولم يذكر غيرهم ، لا سيما الذي بين آدم ونوح من الأنبياء والرسل والأوصياء ، كهبة اللّه شيث وإدريس وغيرهم عليهم السّلام ، وهذه قرينة أخرى أيضا على أن الاصطفاء فيهم خاص ، كما ذكرنا . وأوّل من ذكره سبحانه هو آدم عليه السّلام ، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في ما يقارب من خمسة وعشرين موردا ، وقد اعتنى به الجليل عزّ وجلّ اعتناء بليغا باعتبار كونه أبا للبشر ، وأوّل الخليقة ، وأوّل خليفته في الأرض ، قال تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ سورة البقرة ، الآية : 30 ] ، وهو أول نبي من أنبياء اللّه تعالى ، وأوّل من شرّع له الدين ، وأوّل من اجتباه وتاب عليه ، قال تعالى في شأنه : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى [ سورة طه ، الآية : 122 ] ، وهو الذي خلقه اللّه تعالى بيده وأمر الملائكة أن يسجدوا له ، وكان من ذرّيته النبيون والمرسلون وغير ذلك من المناقب التي لم يشاركه فيها غيره ، وكفى بذلك منقبة ، فهو مرآة الكمالات المعنويّة الإنسانيّة المتمثّلة في شخص خليل الرحمن وحبيب اللّه وآدم أبيهما . وكم أب قد علا بابن له شرف * كما علا برسول اللّه عدنان وأما نوح : الأب الثاني للبشر ، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم أكثر من