السيد عبد الأعلى السبزواري
176
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وأخرى : تكون بوضع واعتبار من العقلاء كما ذكرنا ، وأما بالنسبة إلى ملكيّة المولى للعبد ، فإنه لا ريب في كونها من الملك ( بالكسر ) الاعتباري ، لصحّة هذا الاعتبار عند الجميع ، وأما كونها من الملك ( بالضم ) ففيه منع ، إذ لا يعتبر العقلاء بين المولى والعبد الملوكيّة والرعيّة . والملك ( بالضم ) اسم لما يملك ويتصرّف ، وإنه على قسمين أيضا ، ملك حقيقي وهو التصرّف في شؤون الرعية تصرفّا حقيقيّا بكلّ ما يريد من غير مزاحمة ولا معارضة ، وهو مختصّ باللّه تعالى أو ما يمنحه اللّه عزّ وجلّ لبعض أنبيائه وأوليائه ، فهو جلّت عظمته خالق كلّ شيء ومالكه ، وله الربوبيّة العظمى العامّة والقيوميّة المطلقة ، قال تعالى : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [ سورة فاطر ، الآية : 13 ] ، فيرجع إلى الملك ( بالكسر ) الحقيقي وملازم له ، ويصحّ أن يعبّر عنه بأنه ملك في ملك . وأخرى : ملك ( بالضم ) اعتباري اعتبره الاجتماع ، مثل ملوك أهل الأرض الّذين يتسلّطون على جماعة من الناس ويتصرّفون فيهم تصرّفا يصلح بها شؤونهم . وبعد فرض أنه تعالى خالق لجميع الممكنات وموجدها من العدم ومبقيها ومفنيها ، وبيده تدبيرها وتربيتها ، وهو الربّ على الإطلاق والقيوم كذلك ، فهو مالك وملك ومليك ، وجميع هذه الإطلاقات من لوازم الفرض الذي فرضناه . وقد ورد جميع ذلك في القرآن الكريم أيضا قال تعالى : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ سورة البقرة ، الآية : 255 ] ، فقد أثبت الملكية لنفسه ، وقال تعالى : مَلِكِ النَّاسِ [ سورة الناس ، الآية : 2 ] ، الذي أثبت الملوكية لنفسه ، وقال تعالى : عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ سورة القمر ، الآية : 55 ] ، حيث أثبت المالكيّة والملوكيّة لنفسه الأقدس ، فثبت قول جمع من الفلاسفة المتألّهين من أن بسيط الحقيقة من كلّ جهة يتّصف بكلّ شيء لا يستلزم النقص فيه ، وتقدّم بعض الكلام في سورة الحمد [ سورة الحمد ، الآية : 4 ] ، فراجع . ومن ذلك يظهر أن الملك في الآية الشريفة هو الأعم من الحقيقي