السيد عبد الأعلى السبزواري

177

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

والاعتباري في الملك ( بالكسر ) والملك ( بالضم ) ، ويبيّن ذلك بقية الآية الشريفة ، أي قوله تعالى : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ، لأنّ مالكيّته تعالى للملك تستلزم مالكيّته لما يتسلّط عليه كلّ مالك وملك . كما أنه يمكن أن يكون المراد بالملك طبيعته وذاته ، أي ما يصحّ أن يقع تحت الاستيلاء ، فيشمل جميع ما سواه عزّ وجلّ وجودا أو عدما ، فإن قسما من الأعدام أيضا داخلة تحت ملكه وسلطنته ، فهو مسلّط على إيجاد المعدوم وإعدام الموجود ، ويبيّنه ما بعده أيضا ، فتكون هذه الآية الشريفة شارحة لقوله تعالى : لَهُ الْمُلْكُ [ سورة التغابن ، الآية : 1 ] ، وقوله تعالى : بِيَدِهِ الْمُلْكُ [ سورة الملك ، الآية : 1 ] ، ونحو ذلك . وإنما عبّر سبحانه وتعالى بلفظ الملك دون غيره لإظهار معنى التسخير ، فكما أن المملوك مسخّر تحت إرادة المولى ، كذلك تكون جميع الممكنات بالنسبة إليه عزّ وجلّ ، وهذا المعنى ظاهر من سائر الآيات الشريفة . قوله تعالى : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ . مادة ( نزع ) تأتي بمعنى إخراج الشيء وقلعه عن محلّه ومقره ، كنزع الثوب عن البدن ، قال تعالى : يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما [ سورة الأعراف ، الآية : 27 ] ، وقال تعالى : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [ سورة الحجر ، الآية : 47 ] ، وقال تعالى : وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ [ سورة الأعراف ، الآية : 108 ] ، وقال تعالى : وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً [ سورة النازعات ، الآية : 1 ] ، والملك في المقام هو مطلق السلطنة والاستيلاء ، وقد ذكرنا أن المراد به طبيعته وذاته ، وهو ما يصحّ أن يقع تحت الاستيلاء والسلطنة ، ليشمل جميع الممكنات القابلة للوجود والإيجاد ، فيشمل الملك ( بالضم ) والملك ( بالكسر ) ، والنبوّة ، إذ هي ملك أيضا ، قال تعالى : وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [ سورة النساء ، الآية : 54 ] ، فإن جميع ذلك واقع تحت سلطان اللّه تعالى وإرادته المقدّسة ، وهي من مواهبه وعطاياه التي يمّن بها على من يشاء من