السيد عبد الأعلى السبزواري

172

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وعن الكلبي : أن الآية نزلت في قضية اللذين زنيا من خيبر ، وسؤال اليهود النبي صلّى اللّه عليه وآله عن حدّ الزانيين . أقول : هذه الروايات قاصرة الدلالة ، مضافا إلى ضعف إسنادها ، وسيأتي الكلام في الرواية الأخيرة في قوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ [ سورة المائدة ، الآية : 15 ] . بحث أخلاقي : الغرور : هو استعظام النفس أو عمل من أعمالها أو صفة من صفاتها ، بحيث يوجب قصر النظر وانحصاره في ذلك وقطعه عن خالقه ومدبره ومديره ، وهو من مبادئ الشرك ، بل نفسه لدى النفوس القدسية ، قال تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ سورة يوسف ، الآية : 106 ] . والغرور رذيلة من الرذائل الخلقيّة ، بل يمكن أن يسمّى بأم الرذائل والخبائث . وقد استعملت مادة ( غرر ) في القرآن الكريم في موارد شتّى مقرونة بالذم ، قال تعالى : وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [ سورة الإسراء ، الآية : 64 ] ، وقال تعالى : إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [ سورة الملك ، الآية : 20 ] ، ويكفي في ذم الغرور أن الدنيا تسمّى بمتاع الغرور ، قال تعالى : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [ سورة الحديد ، الآية : 20 ] ، لأنها من مراتع الشيطان ، وهو يوجب الحرمان عن جملة من مكارم الأخلاق والبعد عن ساحة الرحمن . وإذا لاحظ المغرور نفسه رأى أنه ممكن من الممكنات ، وحقيقة الممكن هي العدم المحض بالنسبة إلى ذاته ، وإنما يكون له حظ من الوجود من حيث الإضافة إلى جاعله وخالقه بحسب ما قدر له ، فهو الربّ المدبّر لأحواله وجميع شؤونه وإضافاته وخصوصياته ، وأن ما يحصل له يكون في معرض الزوال ، فهو لا حول له ولا قوة له إلّا باللّه العليّ المدبّر العظيم ، فلا يبقى موضوع للغرور ، وما يعتقده