السيد عبد الأعلى السبزواري

109

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 14 إلى 17 ] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 ) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 16 ) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ( 17 ) الآيات الشريفة تبيّن حقيقة الدنيا والآخرة ، وأن الأولى محفوفة بحبّ الشهوات وما يوجب الضلال والخروج عن الصراط المستقيم ، وأن رغائب النفوس ودوافع الغريزة هي التي تشغل الناس عن التبصّر والاعتبار والتوجّه إليه سبحانه وتعالى ، وتحجبهم عن منابع النور والحكمة ، كما تحرمهم عن نعيم الآخرة . وقد عدّ سبحانه وتعالى في الآية الأولى أصول الشهوات المنسوبة إلى نفس الإنسان وأنها التي توجب الزيغ والضلال ، وأن قلوب الناس ملئت حبّها وجعلت مشغوفة بها ، وهي الستة - النساء ، والبنون ، والأموال ، والخيل ، والأرض المخصبة ، والأنعام - التي تتدخل في سلوك الإنسان في الدنيا وتعيّن مستقبله في العقبي ، فهي قضايا حقيقيّة تصدقها العقول ، فتكون الآية الشريفة بمنزلة الشرح لحقيقة حال من يعتقد أن الاستغناء إنما يكون بالتلذّذ بالنساء والأولاد والأموال وما وهبه اللّه تعالى ، فأعرضوا عنه عزّ وجلّ ، لأنهما كهم في المشتهيات وحبّ الدنيا ، وبيّن عزّ وجلّ أن ما في الدنيا من جميع المشتهيات هي متاع زائل لا قرار له . وفي الآية التالية ذكر سبحانه وتعالى نعم الآخرة ولذائذها ، وهي جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهّرة ، وأهمّها رضوان من اللّه ، وقد بيّن عزّ وجلّ ما يوجب الاستمتاع به والدخول في رضوانه جلّ شأنه والوسيلة