السيد عبد الأعلى السبزواري

8

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وإنّما أبدلت بلعلّ لبيان أنّ التقوى أمر اختياري للإنسان ، لأنّ الصيام إنّما يعدّ نفوس الصائمين لتقوى اللّه ، وللإشعار بأنّ المرجو من هذا التكليف وسائر التكاليف الإلهية هو التقوى . وفيه من البشارة بأنّ الصوم يوجب الوصول إلى مقام المتقين الذي هو من مقامات الصدّيقين ، وهو من أقرب المقامات إلى حريم كبرياء ربّ العالمين . والسر في ذلك واضح ، فإنّ الصوم من أقوى الوسائل في كفّ النفس عن الشهوات ، والبعد عن التشبه بالحيوان ، والقرب إلى ذروة مقام الإنسان ، وبه يتهيّأ إلى القيام بالطاعات لا سيما إذا اقترن الإمساك الظاهري بإمساك القلب عما لا يليق بمقام الربّ ، ولذلك كان « الصوم نصف الصبر » كما ورد عن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) وبالصبر والاصطبار يستعد الإنسان لنيل الكمال والسعادة . وذكر كلمة « لعل » في المقام ونظائره - مع امتناع حقيقة الترجي بالنسبة إليه تعالى ، لأنّه من صفات الممكن الناقص ، ولا يعقل النقص بالنسبة إليه جلّ شأنه - إما لأجل حال المخاطبين ، أو بداعي محبوبية التقوى لديه تعالى ، أو لأجل بيان أنّها أمر اختياري ، كما ذكرنا . 184 - قوله تعالى : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ . مادة ( ع د د ) تأتي بمعني جمع الآحاد ، ولها استعمالات كثيرة في القرآن الكريم قال تعالى : لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [ مريم - 94 ] وقال تعالى : وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ الإسراء - 12 ] وقال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ النحل - 18 ] . ولفظتا « معدودات » و « معدودة » لم تستعملا في القرآن الكريم إلا صفة للأيام قال تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [ البقرة - 203 ] وقال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ [ آل عمران - 24 ] وقد ورد في قوله تعالى : دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ [ يوسف - 20 ] ولكنه كناية عن القلة . ويمكن أن يراد بها في المقام القلّة أيضا أو عدم التغيير والتبديل إلى الأبد ،