السيد عبد الأعلى السبزواري
55
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ [ سورة غافر ، الآية : 40 ] . وأن الصالح في مصاف الأنبياء الصديقين والشهداء قال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [ سورة النساء ، الآية : 69 ] وتلك الآثار المذكورة في الآيات المباركة إنما تترتب إذا كان الصلاح منبعثا عن الذات بحيث تكون الذات مقتضية له . وذلك في ما إذا ارتسم من مواظبة الأعمال الصالحة بحيث حدثت ملكة في النفس من ارتكاب تلك الأعمال ، لأن بين النفس والأعمال نحو تلازم في الجملة ربما تؤثر النفس في الأعمال على نحو الاقتضاء . كما أنه ربما تؤثر في النفس كذلك - كما ثبت في الفلسفة العملية - فاللّه تعالى لا يدعو إلّا إلى العمل الصالح وكذلك يكون شأن رسله وأنبيائه ( عليهم السلام ) فإنهم لا يدعون إلّا إليه قولا وعملا فهم الصالحون في الدنيا والآخرة . وبالعمل الصالح يدرك مراتب الجنان كما أن به تخمد لهب النيران ويرتقي الإنسان إلى ذروة محبة الرحمن ؛ قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا [ سورة مريم ، الآية : 96 ] ولو أردنا أن نعدد ما ورد في الكتاب في فضل العمل الصالح وفضائل الصالحين والصالحات لطال البحث وصار كتابا مستقلا ، ولعلنا نذكر بعض ذلك في الآيات المباركة المناسبة لها في مستقبل الكلام . قوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ . الظرف متعلق بالاصطفاء والجملة لبيان العلة لحصول الاصطفاء والصلاح . والمراد بالقول هنا تلك الدعوة الحاصلة من الإشراقات المعنوية والإفاضات على قلب إبراهيم ( عليه السلام ) حسب مقتضيات الأحوال والخصوصيات والتي تنبئ عن كمال الخلة الواقعية بينهما ، وليس المراد به القول الظاهري الواقع في زمان خاص حتّى يبحث عن وقته كما عن جمع من المفسرين لأن المراد بالقول ما هو المبرز للمراد الواقعي ، ولا ريب في أن تلك الإشراقات أقوى واظهر فيه من مجرد القول ؛ ويمكن أن يكون المراد به القول الظاهري كما في جميع أقواله بالنسبة إلى أنبيائه ( عليهم السلام ) .