السيد عبد الأعلى السبزواري
56
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ . تقدم معنى ، الإسلام ، كما تقدم تفسير لِرَبِّ الْعالَمِينَ في سورة الحمد ، ويستفاد من قوله لِرَبِّ الْعالَمِينَ أنّ إسلامه معه في جميع العوالم التي يمر عليها . وفي الالتفات في الآية الشريفة من التكلم إلى الغيبة ثم من الخطاب إلى الغيبة إشارة إلى كمال الموافقة بين الخليلين ، فتارة يتكلم مع خليله بالحضور شوقا إلى اللقاء ، ويلتفت إلى الغيبة خوفا من المحو والفناء . وفي ابتهالات المعصومين ( عليهم السلام ) وتضرعاتهم مع الرب من ذلك شيء كثير . قوله تعالى : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ . مادة ( وص ي ) تأتي بمعنى الوصل والعهد ، لأن الموصي يعهد بشيء في ما بعد موته ، ويوصل تصرفاته وأعماله في زمان حياته ببعد وفاته أيضا ، والضمير في « بها » يرجع إلى الملة المشتملة على الإسلام ، وكلمة الإخلاص أيضا المذكورة في قوله تعالى : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ وهي الكلمة الباقية التي جعلها في عقبه كما قال تعالى : وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [ سورة الزخرف ، الآية : 28 ] . ويعقوب عطف على إبراهيم أي : ووصى بها يعقوب أيضا . وفي ذلك إشارة إلى كثرة اهتمام إبراهيم وحفيده يعقوب بحقوق اللّه تعالى وحرماته حتّى أنهما أوصيا بذلك ، بل يدل على أهمية الموصى به والاعتناء به ، وأنه كالوديعة في أيديهم يجب أن تحفظ في أعقابهم ، وهذا هو شأن جميع أنبياء اللّه وأوليائه في حفظ ودايع اللّه وأسراره ، ووصية لقمان مذكورة في القرآن ، ووصية علي ( عليه السلام ) لابنه الحسن ( عليه السلام ) معروفة في كتب الأحاديث . قوله تعالى : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ . هذا مقول قول كل منهما لا خصوص قول يعقوب كما يظهر من بعض التفاسير ، فإنهما قالا لبنيهما في مقام التوصية والتحريض إلى اتباع الملة الحنيفية . والمراد من الدين هو دين الحنيفية والإسلام الذي اختاره اللّه لهم خالصا عن كل عيب ودنس . والمراد من البنين هم الأولاد الأعم من الذكور والإناث . قوله تعالى : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . كناية عن اتباعه