السيد عبد الأعلى السبزواري
415
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وما يوجب سعادته في الدارين ، فباختياره يصعد إلى الدرجات كما أن به ينزل إلى الدركات ، والمعلم غير مسؤول عن ذلك بعد بذل جهده في التربية والتعليم ، وهذا أمر قد جرت عليه السيرة العقلائية في التعليم والتعلّم الدائرين بينهم . قوله تعالى : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ . الرضاء من المبينات العرفية ، ويستعمل بين الخالق والمخلوق ، وبين المخلوقين بعضهم مع بعض قال اللّه تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ سورة المجادلة ، الآية : 22 ] ، وقال تعالى : فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ [ سورة النساء ، الآية : 24 ] وهو من أهم ما يقوم به النظام . ومادة ( م ل ل ) تأتي بمعنى الإملاء والإثبات ، قال تعالى : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ [ سورة البقرة ، الآية : 282 ] فالملة إنما هي الشريعة التي أثبتها اللّه لعباده على ألسنة رسله وأنبيائه ، وهي والشريعة سيان وأما مع الدين فهما واحد مصداقا ، وأعم في الاستعمال ، يقال : دين اللّه تعالى ، ودين محمد ( صلّى اللّه عليه وآله ) ودين زيد ، ولا يقال في الملة ذلك إلّا ملة اللّه تعالى ، ويصح نسبتها إلى النبي المشرع ، قال تعالى : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ وقال تعالى : دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ سورة الأنعام ، الآية : 161 ] ، ولعل السر في ذلك أنه روعي في إطلاق لفظ الملة إبلاغ التشريعات الإلهية السماوية ، وهذا يختص بالنبي دون غيره ثم اتسعت حتّى استعملت في الأديان الباطلة أيضا ، وكاد المجاز أن يغلب الحقيقة ، فقيل : « الكفر ملة واحدة » . والآية ظاهرة في اليأس عن إيمانهم بعد أن كان النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) يطمع في إسلامهم ، بل كان يرجو مبادرتهم إلى الإيمان ، لأن الإسلام دين التوحيد ودين الفطرة فيوافق ما هم عليه في الجملة . ولذلك كبر على النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) إعراضهم وجحودهم ، وكان سبب ذلك أنّهم كانوا يعتبرون دينهم هو الهدى فقط ، وما سواه باطل ، فهم أحق بهذا الأمر من غيره فلا بد من اتباع ملتهم ، أو كان السبب أنهم كانوا يزعمون أنهم