السيد عبد الأعلى السبزواري
359
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الوجود هو إثبات للتحقق له ، فإن الوجود مساوق للشيئية والتحقق ، قال تعالى : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [ سورة المدثر ، الآية : 24 ] والمراد من الأثر في الآية المباركة الاتباع على ما سيأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى ، فإنه مما لا ينكر ظهور بعض الأعمال وخرق العادة على يد الساحر ولو بحسب وجدان المسحورين ، ومن نفى عنه الحقيقة إنما أراد نفي الحقيقة بالنسبة إلى الواقع كالمعجزة والكرامة ، وهذا مسلّم لا ريب فيه . ثم إنّ تأثير السحر في الإنسان ضرب من تأثير القوى الفعّالة فيه . كتأثير الكواكب في الأرض بما فيها الإنسان مما لا ينكره أحد ، كما أن تأثير الملائكة المقربين أيضا كذلك . وتأثير الأنبياء والأوصياء وبعض الصالحين بما يصدر منهم المعاجز وخوارق العادات لا يشك فيه عاقل . ومنها تأثير العين والإصابة بها فإنه لا يرتاب فيها أحد وان اختلف العلماء في كيفية تأثيرها ، وفي الحديث : « لو كشف عن القبور لرأيتم أكثر موتاكم من العين » ، وسيأتي تفصيل الكلام في سورة القلم إن شاء اللّه تعالى . نعم الفرق بين ما يصدر من الأنبياء والأولياء والعلماء الذين حذوا حذوهم وبين ما يصدر من الشياطين وتابعيهم من السحرة والكهنة واضح ، فإن بينهما فرقا بحسب الذات والمنشأ والغاية . توضيح ذلك : إنّ الإنسان في عالم الدنيا قائم بالاختيار . وأما عالم الآخرة فهو عالم جزاء الفاعل المختار ، فلو لا الاختيار لبطل العالمان والاختيار بما هو اختيار متعلق بطرفي الفعل - الخير والشر ، أو الهداية والضلالة - ولكل منهما قائد ودليل . والأنبياء ( عليهم السلام ) ومن يتلو تلوهم أدلاء الهداية وأئمتها . والشياطين ومن يحذو حذوها قواد الشر والفساد وأدلاؤهما . ونظر كل واحد من القائدين والدليلين هو الإنسان لا غير ، فالمعجزات والكرامات وخوارق العادات المنبعثة عن القدرة الإلهية غير المتناهية كلها من الأنبياء والأوصياء والأولياء الذين أقدرهم اللّه تعالى على تلك الأمور وهي سلاسل يجرّ بها النّاس إلى الجنّة ، وفي مثلها قال نبينا